
نهضة الدولة السورية الجديدة.. ردم التفاوت التنموي بين المناطق المختلفة
منذ استقلال سوريا عام 1946، تشكّلت معالم الدولة الوطنية الحديثة وهي تحمل بين طياتها آمالاً كبرى في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة. لكن الواقع سرعان ما كشف عن اختلالات هيكلية في توزيع الموارد وفرص التنمية بين المحافظات. فقد بقيت بعض المناطق، خصوصاً في الشرق السوري (دير الزور، الرقة، الحسكة)، على هامش خطط التنمية الوطنية، بالرغم من كونها خزان الثروات الزراعية والنفطية والغازية والحيوانية، ورافداً أساسياً للاقتصاد الوطني.
هذا التفاوت لم يكن مجرد أرقام في تقارير حكومية، بل تحول إلى إحساس بالغبن لدى سكان تلك المناطق، وإلى فجوة في الانتماء الوطني، طالما شعر الناس من خلالها أن مساهماتهم في الاقتصاد لا تُترجم إلى خدمات، ولا إلى فرص عمل، ولا إلى استثمارات في التعليم والصحة والبنية التحتية. واليوم، ونحن على أعتاب نهضة الدولة السورية الجديدة، لا بد من مواجهة هذه العلة الوطنية بجدية، لأن ردم الفجوة التنموية ليس مطلباً اقتصادياً فحسب، بل شرطاً من شروط الوحدة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
أولاً: التفاوت التنموي علّة وطنية
التفاوت التنموي بين المحافظات السورية ليس تفصيلاً صغيراً، بل هو جرح وطني عميق. حين يشعر مواطن في دير الزور أن خير أرضه يُنقل إلى العاصمة أو المدن الكبرى بينما قريته بلا مشفى أو طريق معبّد، فإن ذلك يخلق فجوة وجدانية لا تقل خطورة عن الفجوات الاقتصادية. وحين يهاجر شاب من الحسكة إلى الساحل أو دمشق بحثاً عن فرصة عمل، لأنه لا يجد في محافظته استثماراً يفتح له باب المستقبل، فذلك يُعيد إنتاج مركزية خانقة ويكرّس التهميش.
لقد آن الأوان للتعامل مع هذه القضية باعتبارها «قضية وطنية جامعة»، لا مسألة مطالب محلية. فالمناطق الشرقية ليست مجرد هامش جغرافي، بل هي عمق استراتيجي لسوريا، وامتداد حضاري وثقافي ضارب في التاريخ. تجاهل حاجاتها التنموية لعقود كان خطأً كبيراً، وأي نهضة وطنية لن تكتمل دون معالجة جذرية لهذا الاختلال.
ثانياً: ثروات المناطق الشرقية بين الإهمال والحرمان
من يزور الرقة أو دير الزور أو الحسكة يدرك فوراً أنه أمام أرض معطاءة. هذه المناطق تُسمى بحق «المناطق النامية» ليس لأنها فقيرة الموارد، بل لأنها لم تُستثمر بما يليق بها. فهي:
– زراعياً: تعد من أكبر خزانات القمح والشعير والقطن في سوريا، فضلاً عن الثروة الحيوانية من أغنام وأبقار ودواجن، التي لطالما أسهمت في تأمين الأمن الغذائي الوطني.
– ثروات باطنية: تحتضن معظم حقول النفط والغاز، التي شكلت لعقود شرياناً رئيسياً للاقتصاد السوري.
– بشرياً: تمتلك طاقات شابة هائلة، لكنها كثيراً ما بقيت خارج دائرة التنمية بسبب ضعف الاستثمار في التعليم العالي والمهني.
المفارقة المؤلمة أن هذه المحافظات التي ترفد الاقتصاد الوطني بخيراتها، كانت تعاني في الوقت نفسه من نسب عالية من الفقر، ومن نقص واضح في البنية التحتية والخدمات التعليمية والصحية. المدارس في الأرياف الشرقية كثيرة لكنها متواضعة الإمكانيات، والجامعات حديثة العهد وضعيفة التمويل، والمشافي إما بعيدة أو غير مجهزة. هذه المفارقة خلقت شعوراً دائماً بأن هناك ظلماً بنيوياً بحاجة إلى تصحيح.
ثالثاً: نحو تطور اقتصادي متكافئ
النهضة السورية الجديدة تحتاج إلى مبدأ واضح: لا تنمية في مركز دون الأطراف، ولا نهضة حقيقية دون عدالة في توزيع الموارد.
التطور الاقتصادي المتكافئ لا يعني المساواة الحسابية بين المحافظات، بل يعني توظيف مقدرات كل منطقة بما يتناسب مع خصوصيتها واحتياجاتها.
– المناطق الزراعية يجب أن تحصل على استثمارات في الصناعات الغذائية والتحويلية، كي يتحول القمح إلى خبز ومعكرونة داخل المنطقة بدل نقله خاماً.
– المناطق الغنية بالنفط والغاز تحتاج إلى معامل تكرير ومراكز أبحاث طاقة، بدل الاكتفاء بتصدير الخام.
– الطاقات البشرية بحاجة إلى جامعات تطبيقية ومعاهد تقنية مرتبطة بسوق العمل المحلي، كي يبقى الشباب في مناطقهم بدل النزوح إلى العاصمة.
بهذه الطريقة يصبح كل إقليم شريكاً في التنمية الوطنية، بدل أن يكون مجرد «مورد خام» لبقية المحافظات.
رابعاً: الهيئة العليا لتنمية المنطقة الشرقية
كيلا تبقى الخطط شعارات، هناك حاجة إلى أداة تنفيذية قوية، تتمثل في هيئة عليا لتنمية المنطقة الشرقية. هذه الهيئة يجب أن تمتلك:
- صلاحيات مالية مستقلة تسمح لها بتخصيص الموازنات للمشاريع الحيوية.
- برامج استثمارية متكاملة تربط الزراعة بالصناعة، والطاقة بالتعليم المهني، بما يخلق فرص عمل محلية.
- شراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، لإشراك الأهالي في صنع القرار التنموي.
- خطط طويلة المدى تتجاوز الحلول الإسعافية، لبناء مدارس، مشافٍ، طرق، وجامعات جديدة.
- آلية رقابة شفافة تضمن وصول الموارد إلى مكانها الصحيح، وتمنع تكرار أخطاء المركزية القديمة.
إحداث مثل هذه الهيئة لن يكون مجرد خطوة إدارية، بل رسالة سياسية واجتماعية تقول لأهالي المنطقة: أنتم جزء أساسي من سوريا الجديدة، ودولتكم معنية بمستقبلكم كما هي معنية بمستقبل أي محافظة أخرى.
نحو وحدة وطنية راسخة
إن ردم الفجوة التنموية بين المحافظات ليس خياراً تجميلياً، بل هو شرط وجود لسوريا الجديدة. لا يمكن لدولة تنهض من أزمتها أن تسمح باستمرار الإحساس بالغبن بين أبنائها. ولا يمكن لنهضة وطنية أن تُبنى فوق تفاوت صارخ في فرص التعليم والصحة والعمل.
المناطق الشرقية كانت وما تزال قلباً نابضاً للاقتصاد السوري، وأرضاً زاخرة بالعطاء. ما تحتاجه اليوم هو استثمار في الإنسان قبل الحجر، في المدرسة قبل الحقل، وفي الجامعة قبل المعمل. فبناء سوريا الجديدة يبدأ من إعادة الاعتبار لكل منطقة، ومن الاعتراف بأن كل شهيد وجريح ونازح من أبناء هذه الأرض يستحق أن يرى وطناً عادلاً يوزع خيراته بالتساوي.
ردم التفاوت التنموي هو معركة وحدة وطنية بامتياز، وهو الجسر الذي سيعيد الثقة بين الدولة وأبنائها. وعندما تتحقق العدالة التنموية، ستصبح سوريا أقوى، أكثر صلابة، وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل بثقة وكرامة.