
نحو فهم للهوية والسيادة في سوريا الجديدة
العلمانية في سوريا: دورها في تشكيل الهوية الوطنية بين الإطار النظري والتطبيق السلطوي
في التجربة السورية، لا يمكن تقييم دور العلمانية في ترسيخ الهوية الوطنية أو إضعافها بمعزل عن السياق السياسي الذي طُبّقت فيه. فالعلمانية، بوصفها مفهوماً نظرياً، تحمل في جوهرها إمكانية حقيقية لبناء هوية وطنية جامعة تقوم على المواطنة المتساوية، وتحرّر الانتماء الوطني من الاحتكار الديني أو الطائفي أو الإثني. غير أن المسار الذي سلكته في سوريا جعل أثرها العملي مختلفاً، بل متناقضاً في كثير من الأحيان، ما أدى إلى نتائج ملتبسة على مستوى الهوية والانتماء.
في مرحلة ما بعد الاستقلال، شكّلت العلمانية جزءاً من مشروع بناء الدولة الحديثة، حتى وإن لم تُعلن دائماً بهذا الاسم. كان الهدف الأساسي آنذاك هو تقليص حضور الطائفية في المجال السياسي، وتعزيز الانتماء إلى الدولة السورية بوصفها إطاراً جامعاً. في هذا السياق، أسهمت الأفكار العلمانية، بشكل غير مباشر، في دعم مفهوم المواطنة، وفي خلق مساحة مشتركة بين السوريين تتجاوز الانتماءات الدينية. هذا الدور، وإن كان محدوداً، ساعد نسبياً في ترسيخ شعور وطني عام، خصوصاً في المدن الكبرى وفي الأوساط التعليمية والثقافية.
غير أن هذا المسار لم يكتمل، ومع صعود الأنظمة العسكرية ثم حكم حزب البعث، بدأت العلمانية تفقد طابعها المدني، لتتحول تدريجياً إلى أداة سياسية. لم يعد المقصود بها حياد الدولة تجاه الأديان، بل إخضاع المجال الديني لسلطة الدولة، واستخدامه عند الحاجة لتعزيز شرعية الحكم أو ضبط المجتمع. في هذه المرحلة، لم تُبنَ الهوية الوطنية على أساس المشاركة والمواطنة، بل على أساس الولاء السياسي والأمني. وبدل أن تكون العلمانية إطاراً جامعاً، أصبحت في نظر كثيرين غطاءً للاستبداد، ما أضعف قدرتها على لعب أي دور إيجابي في ترسيخ الانتماء الوطني.
هذا الاستخدام السلطوي للعلمانية ترك أثراً سلبياً عميقاً في الوعي العام. فقد ارتبطت لدى شريحة واسعة من السوريين بالقمع، وتقييد الحريات، وتهميش المجتمع المدني، بدل أن ترتبط بالعدالة والمساواة. ومع غياب المشاركة السياسية الحقيقية، فقدت الهوية الوطنية مضمونها، وأصبحت أقرب إلى خطاب رسمي مفروض من الأعلى، لا إلى شعور داخلي نابع من الثقة بالدولة. هنا، يمكن القول إن العلمانية، بصيغتها المطبّقة، لم تعمّق الهوية الوطنية، بل ساهمت في إفراغها من معناها.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تفاقم هذا التناقض. إذ استخدم النظام خطاب “حماية العلمانية” لتبرير بقائه، مقدّماً نفسه بوصفه السدّ المنيع في وجه التطرف. هذا الخطاب لم يُقنع كثيرين، بل عزّز الشكوك حول العلمانية نفسها، التي بدت وكأنها في مواجهة الهوية الدينية للمجتمع، لا في خدمة التعايش بين مكوّناته. وفي المقابل، أدى صعود الخطابات الدينية المتشددة في بعض أطراف المعارضة إلى تعميق الاستقطاب، ما جعل الهوية الوطنية تتآكل بين نموذجين متناقضين: علمانية سلطوية من جهة، وتديين سياسي إقصائي من جهة أخرى.
في هذا السياق، لم تلعب العلمانية دوراً فاعلاً في حماية الهوية الوطنية أو إعادة إنتاجها، ليس لأنها عاجزة عن ذلك من حيث المبدأ، بل لأنها لم تُطرح كخيار ديمقراطي حقيقي. الهوية الوطنية لا تُبنى بالقسر ولا بالشعارات، بل بالثقة، والمشاركة، والشعور بالمساواة أمام القانون. وحين غابت هذه العناصر، تحوّلت الهوية الوطنية إلى مفهوم هشّ، وتقدّمت الهويات الفرعية بوصفها بدائل أكثر أماناً في نظر الأفراد والجماعات.
من هنا، يمكن القول إن الدور السلبي للعلمانية في سوريا لم يكن نابعاً من الفكرة ذاتها، بل من تشويهها وربطها بالاستبداد. فالعلمانية التي تُقصي المجتمع، أو تُستخدم لتبرير القمع، لا يمكن أن ترسّخ هوية وطنية، بل تدفع الناس إلى الارتماء في أحضان هوياتهم الدينية أو الطائفية أو الإثنية دفاعاً عن الذات. أما العلمانية القائمة على حياد الدولة، واحترام التعدد، وضمان الحريات، فهي وحدها القادرة على أن تكون رافعة للهوية الوطنية، لا نقيضاً لها.
في المحصلة، لم تؤدِّ العلمانية المطبّقة في سوريا إلى تعميق الهوية الوطنية، بل ساهمت، في صيغتها السلطوية، في إضعافها. ومع ذلك، فإن هذا الفشل لا يُعد حكماً نهائياً على العلمانية كخيار، بل دليلاً على أن الهوية الوطنية لا يمكن أن تُبنى إلا ضمن إطار سياسي ديمقراطي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل المواطنة أساس الانتماء. دون ذلك، ستبقى العلمانية إما شعاراً فارغاً أو أداة صراع، بدل أن تكون جسراً نحو وطن يتّسع لجميع أبنائه.