نحو دولة مدنية تُحكم بالقانون لا بالأهواء الشخصية

0

في عالمنا المعاصر، لم تعد الدولة مجرد مساحة جغرافية تُحكم بسلطة مركزية، بل أصبحت منظومة متكاملة من المؤسسات والقوانين التي وُجدت لتنظيم حياة الناس وخدمتهم، لا للتحكم فيهم أو إخضاعهم لنفوذ شخصي أو فئوي. الدولة الحديثة تُبنى على المواطنة، وتقوم على سيادة القانون، وتُدار بمبدأ الشفافية والمساءلة، لا وفق الأهواء أو الانتماءات أو الاعتبارات العائلية أو الدينية أو الطائفية. وإذا ما تحولت الدولة إلى ساحة يتحكم بها “شيخ” أو “أمير” أو “أبو فلان”، فإننا بذلك نكون قد ابتعدنا كل البعد عن معنى الدولة، ودخلنا نفق اللادولة، حيث تتحول المؤسسات إلى أدوات بيد أصحاب النفوذ، ويضيع المواطن بين الولاءات والوساطات والمحسوبيات.

إن أخطر ما يواجه أي مشروع لبناء دولة حديثة هو اختزال السلطة في شخص أو مجموعة خارجة عن الأطر الدستورية، تعمل كقوة فعلية تُملي القرارات وتتحكم بالمؤسسات، بعيداً عن الهياكل الرسمية. حين تصبح الكلمة الأولى في المؤسسة الأمنية أو الإدارية لشخص غير مخوّل قانوناً، فإننا أمام حالة فوضى مقنّعة، تقتل الروح المؤسسية وتدمر فكرة العدالة والإنصاف.

على الصعيد الأمني والعسكري، من البديهي أن يكون هناك تسلسل قيادي واضح، يبدأ من رأس المؤسسة وينتهي بأصغر جندي أو عنصر أمني. لا مكان في هذه المنظومة لسلطة ظلّ أو توجيهات غير رسمية، لأن أي تدخل خارجي يُضعف المؤسسة ويُربك قراراتها. في المقابل، تتطلب المؤسسات المدنية الكفاءة والانضباط واحترام الإجراءات، لا تسيير الأمور بناءً على “كلمة الشيخ” أو “توجيه الأخ الأكبر”. حين تُعطى الأفضلية للعلاقات الشخصية على حساب المؤهلات، وحين يُعطى النفوذ لمن لا يحمل صفة رسمية، فإن البيروقراطية تتحول إلى فساد، والإدارة إلى فوضى.

من جهة أخرى، لا يمكن لدولة تدّعي الحداثة والتمدّن أن تتدخل في حياة الأفراد الخاصة أو تفرض عليهم أنماطاً محددة من اللباس أو الفكر أو السلوك. الدولة ليست وصية على الناس، بل هي خادمة لهم، ما داموا يحترمون القانون العام. احترام الحريات الشخصية وحرية المعتقد والرأي هو ركيزة الدولة المدنية، وأي تجاوز على هذه الحقوق يفتح الباب أمام الاستبداد ويقوض الثقة بين المواطن والدولة.

إن بناء الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة لا يتم من خلال زيارات رسمية في أوقات الأزمات أو عبر خطابات موسمية، بل من خلال ممارسات يومية تعكس الشفافية وتؤكد على العدالة والمحاسبة. لا يشعر المواطن بالانتماء الحقيقي ما لم يكن متساوياً في الحقوق والواجبات، وما لم يشعر بأن الدولة تنظر إليه كفرد مستقل، لا كرقم تابع لفئة أو جماعة أو طائفة.

للأسف، لا تزال بعض الوزارات والإدارات في بلادنا رهينة لنفوذ غير رسمي، حيث يتقدم “الشيخ” أو “الوجيه” على المدير أو حتى الوزير في سلطة القرار. وهذا الواقع يعيق أي محاولة للإصلاح أو التحديث، لأن القرار يُصبح مرتهناً للعلاقات الشخصية لا للقانون. ويترتب على هذا الواقع احتكاك متكرر مع المواطنين، وغياب للشفافية، وبيئة خصبة للفساد، في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى التكاتف والوحدة وإعادة بناء الثقة.

الدولة المدنية التي ننادي بها ليست نسخة من العلمانية الغربية بالضرورة، بل هي دولة تؤمن بالتعدد وتحترم الاختلاف وتضمن الحريات، دون أن تتدخل في ضمائر الناس أو تحاول توجيههم قسراً في اتجاه معيّن. دولة القانون لا تخاف من حرية التعبير، بل تحميها. ودولة المؤسسات لا تتردد في محاسبة المقصر، أيّاً كانت مكانته أو انتماؤه. وهي دولة تعطي الأولوية للمصلحة العامة، لا للمصالح الخاصة، وتبني قراراتها على الكفاءة لا على الولاء.

إننا اليوم أمام فرصة حقيقية، في ظل ما تمتلكه بلادنا من طاقات بشرية وفرص استثمارية، لبناء دولة قوية تكون قادرة على إدارة مواردها بكفاءة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ سيادة القانون. دولة لا تسمع إلا لصوت القانون، ولا تتحرك إلا ضمن حدود المصلحة الوطنية.

إن بناء دولة مدنية حديثة هو مشروع طويل لكنه ضروري، يبدأ من إصلاح العقليات قبل إصلاح المؤسسات، ومن احترام القانون فوق كل اعتبار.

لا نهضة ممكنة دون مؤسسات قوية ومستقلة، ولا عدالة من دون مساءلة حقيقية تطال الجميع دون استثناء.

فلنتمسك جميعاً بفكرة الدولة المدنية، لأنها السبيل الوحيد نحو مستقبل أفضل، يتساوى فيه الجميع، ويعلو فيه صوت الحق فوق كل الأصوات.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني