نجود

0

محمد الحفري

لقد أصبحت الأعمال السردية الجاذبة قليلة ونادرة في وقت صار فيه التزاحم واضحاً على أنواع الكتابة كافة بعد أن تجرأ عليها من لا يتقن أصولها وأسسها ومن لا يملك الخبرة التي تمكنه من تلك الكتابة ومع ذلك نجده قد خاض تجربتها وهو يهرف بما لا يعرف كما يقال.

نحاول من خلال تقديمنا البسيط الإشارة إلى رواية تستحق أن نشير إليها ونقصد بذلك رواية “نجود” لمؤلفها الدكتور إحسان غرير، لأنها برأينا مميزة ومتفردة بحق من حيث بنيتها السردية وتوزيع مقاطعها ورشاقتها ومضمونها أيضاً.

تحكي الرواية في بدايتها عن بطلتها “نجود” التي لقبت بالكهينة وبقيت كذلك حتى كبرت وصارت أماً كهينة، وقد عاشت مع عائلتها في بلدة “الضبية” وفيها ذلك المقام الذي يزوره الناس وقد اشتهرت بزراعة أشجار الكرمة واللوز والزيتون ولها الكثير من القصص مع الناس وعائلتها وشقيقها “عبدو” ومع العنزة “سالي” والكلب “شابار”ولعبها مع الصبيان الذين تحدتهم كثيراً وتفوقت عليهم.

ويبدو لنا أن الكاتب قد استعمل بطلته الرئيسة للوصول إلى غايات أخرى وجعل منها وسيلة لسرديته المشوقة وظهور أو مجيء مدرس الرياضيات “كريم” في منزلهم والذي وقعت في حبه، وكذلك كان حاله الذي لم يكن عبثياً بل من أجل التحدث عن والده الذي مارس السحر في قرية “رمانة” وقد فقدت العائلة توازنها منذ دخول العقيد “آصف عيسى” واكتشافه لخديعة “أبو كريم” وتغطيته لخيانة زوجته، ومن هذه النقطة بالذات تبدأ الرواية مساراً جديداً أو منعطفاً مختلفاً عما سبق.

تفر العائلة تحت جنح الظلام إلى “ضبية” بلدة نجود، وهناك يغير الشيح “أبو كريم” اسمه إلى ” أبو عاصم” ويتخذ منزلاً منعزلاً، ثم يبدأ رحلته في البحث عن الذهب بالتعاون مع “أبو عبدو” والد نجود وصديقه “عيسى” بينما يقبض رجال العقيد على معاونه ” مرهج” ثم يبث لنا الكاتب العديد من الأخبار منها تعين ” عبدو” الذي تخرج ضابطاً ومهندساً في مكتب “أبو ركان ” في العاصمة وهو من الشخصيات التي قادت البلاد في مرحلة ما.

زين الكاتب عمله بالكثير من الأشياء التي جعلتها جميلة وجاذبة بحق ومنها قصة الحب التي جمعت “كريم ونجود” وفي إضافة شخصية “مبروكة” التي قدمها بفطرتها الأولى وعفويتها، كما استعرض من خلال شخصية “ظافر” تلك الثقافة العالية والرزانة التي يمتلكها “كريم” كما شكلت العنوانات الداخلية نقوشاً لها حضورها من حيث الشكل والمضمون وكانت جزءاً لا يتجزأ من تكنيك الرواية، ثم توجت الرواية بتسريح “أبو راكان وعبدو” ومحاكمة “آصف عيسى” الذي غدا عميداً بعد قتله لزوجه التي عرف بأمر خيانتها، وعلى مستوى المسار العام فقد تم اعتقال الشخصيات الرئيسة ونقصد بذلك “عيسى – أبو عبدو – أبو كريم” ومع ذلك لم تكن الرواية مغلقة ، بل مفتوحة على أمداء وسيعة، فتلك ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها أبو كريم، وقد كان واثقاً من خروجه في القريب العاجل ومع تلك النهاية أضاف الكاتب مزيداً من الجمال إلى عمله حيث يقول: “مضت الريح طائعة وأوصلت الرسالة، رسالة الشيخ. لم يتوقع أشد المتشككين أن يكون وراء كل ما جرى شخص متخف بعيد، حليق الرأس ذو لحية كثة وكحل كثيف يغطي ما حول عينيه، يبعد عن مسرح الأحداث مسافة تبلغ مئتي كيلو متر. التقط المعنى وغطت وجهه ابتسامة هازئة”

هذه النهاية المتقنة تشير إلى صراع جديد سيبدأ بين الشيخ “أبو كريم” ومساعده “مرهج” وبعدها يمكننا الجزم أن المؤلف الدكتور إحسان غرير صاحب خبرة ودربة في الآن ذاته وما بناه في منتجه هذا يدل على بهاء العمارة وفنية الصنع التي رافقتها روح إنسانية شفيفة وعذبة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني