من يقف خلف محاولات إشعال الفتنة الطائفية، وما هي دوافعه السياسية؟

0

في متابعة أحداث معارك السيطرة على الساحل، يبرز تساؤل رئيسي: مَن يقف خلف محاولات إشعال الفتنة الطائفية، وما هي دوافعه السياسية؟

أولاً: في مقدّمة “مركز الحوار السوري” تحت عنوان “بعد تفجير حمص واحتجاجات الساحل.. من يقف خلف محاولات إشعال الفتنة في سوريا؟” نجد محاولة موضوعية لتوضيح عوامل السياق، وطبيعة القوى المستفيدة.

ينطلق التقرير من وقائع “أنّ تبنّي التفجير الإرهابي من قبل جماعة غامضة تُدعى “سرايا أنصار السنة”، وحصوله في سياق “مساعي تصعيد التوترات في سوريا”، و”بهدف تعزيز وتأجيج المخاوف الطائفية لضرب شرعية سوريا الجديدة وإفشال انتقالها السياسي”، “يطرح ثلاث فرضيات رئيسية حول هوية التنظيم:

أنّه تنظيم حقيقي تشكّل حديثاً نتيجة انشقاق عن هيئة تحرير الشام بسبب خلافات أيديولوجية، ويقوده مغالون رفضوا مسار الانفتاح الذي تبنّته الحكومة الانتقالية. هذا التيار تبنّى سابقاً تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، ويمتلك بنية إعلامية ونزعة تكفيرية واضحة.

أنّه تنظيم ورقي وهمي، يُرجَّح أنّه واجهة دعائية يديرها فلول النظام البائد (شبكة السيطرة الإيرانية الأسدية – أسد وقسد)،… يشير إلى ذلك ضعف صياغة بياناته، وسوابق موثقة في توظيف تنظيمات صورية لزعزعة الأمن”.

إنّه غطاء ميداني لتنظيم داعش، يستخدمه التنظيم لتبنّي هجمات طائفية دون الظهور باسمه المباشر، ضمن استراتيجية جديدة لاستعادة الحاضنة الشعبية، ويظهر ذلك في التشابه الأيديولوجي والبنية الإعلامية.” ليصل إلى الاستنتاج:

“سواء كان الفاعل هو تنظيم “داعش”، أو كان هناك تنظيم فعلي يحمل اسم “سرايا أنصار السنة”، أو كانت هذه الجماعة واجهة مصطنعة تُدار من قِبل فلول النظام البائد لأغراض تضليلية، فإن النتيجة واحدة: استهداف النسيج الاجتماعي السوري ومحاولة تغذية الفتنة الطائفية على نحو مباشر بهدف ضرب مشروع سوريا الناشئة، مثلما حصل في احتجاجات الساحل التي تم استثمارها سياسياً وحاولت نشر الفوضى في الشارع السوري”.

ثانياً: تسريبات الجزيرة الأخيرة

في حلقات متتالية مع مطلع العام الجديد، كشفت تسريبات الجزيرة “الحصريّة” عن تفاصيل تورّط شبكة من بقايا شبيحة أجهزة سلطة الأسد الإيرانية، في محاولات زعزعة استقرار سوريا والسيطرة على الساحل السوري.

الوثائق سلّطت الضوء على الهيكل القيادي لفلول النظام، حيث يتصدر مخلوف الهرم، يليه سهيل الحسن، ثم العميد السابق غياث دلا، إضافة إلى قيادات من الصف الثاني تتولى الشؤون المالية والعسكرية والتنسيق بين المجموعات.

كما كشفت التسريبات عن خلاف مالي وتنظيمي بين رامي مخلوف، ابن خال الأسد، واللواء سهيل الحسن قائد قوات النخبة، على خلفية اتهام الأخير بتضخيم أعداد المقاتلين للحصول على تمويل أكبر!!

ثالثاً: رامي مخلوف

من جهة ثالثة، وفي نفس التوقيت، وفي “نداء من أجل الهدوء والوحدة وسط التهديدات المحسوسة للطائفة العلوية” بثّه رامي مخلوف عبر ما اعتبره “ظهور بغير أوانه”، حاول السيد مخلوف تبرئة نفسه، والتأكيد على عدم تورطه فيما اعتبره “أعمال تخريبية، تسيء للطائفة الكريمة وتزعزع الاستقرار في الساحل، ومن “كلّ مَن يعزز الطائفية”، وقد ألقى الكرة بملعب غزال غزال ومحمد جابر وغياث دلا، قائد “المجلس العسكري” في الساحل، واعتبرهم أدوات مرتبطة “بشمال شرق”!

إضافة إلى ذلك، وفي نفس السياق، كشف المخلوف عن تنسيق مباشر مع الروس وغير مباشر مع السلطة السورية الجديدة، في إطار صفقة سورية روسية، تسمح للسيد المخلوف المشاركة “في إدارة سوريا كلها، وتعطي العلويين فرصة بأن يكونوا “من الأساسيين في الجيش السوري… وفي محاربة كل من يريد التطرف”.

رابعاً: وقسد

لا تخفي خطط وسياسات وإعلام قسد وعيهم لأهميّة استغلال ما يتعرّض له العلويين (والدروز والمسيحيين) من اعتداءات وانتهاكات ومجازر طائفية لتبرير وشرعنة مشروعها السياسي اللامركزية/الفدرالي، وخلق حلفاء في الساحل السوري. بناء عليه، وفي منطق تقاطع المصالح في تفشيل مسارات العملية السياسية الانتقالية وإقامة كانتون “لامركزي” في الساحل في ظل نظام سياسي “فدرالي”، يصبح من الطبيعي أن تتصدّر المشهد، وتعمل على دعم أو قيادة جهود “بقايا شبيحة سلطة الأسد” من أجل لوي ذراع سلطة دمشق، الرافضة لوجود وشرعنة مشروع قسد السياسي.

ضمن هذا السياق العام، يكتسب ربط السيد رامي مخلوف لجهود وأجندات “شبيحة سلطة الأسد” الطائفية (والعسكرية) التي تعمل على زعزعة الاستقرار في الساحل تحت قيادة محمد جابر وغزال غزال، بمشروع الفدرالية القسدي، كامل الموضعية، وقد أوضح المخلوف طبيعة العلاقة بدقّة: إنّ مطالبة “العلويين” بالفدرالية تصب في مصلحة مشروع قسد لأنّه يمتلك جميع مقوّمات قيام “فدرالية” في شمال وشرق سوريا “-المؤسسات الحكومية والعسكرية والامنية والاقتصادية، ولأنّ العلويون يفتقدون إلى مظلّة الحماية العسكرية والأمنية الذاتية، التي تمثّل الشرط الأساسي لبناء “سلطة لا مركزية”!.

ليس هذا فحسب، بل ألمح إلى وجود “غزال غزال” في مناطق سيطرة قسد، وبالتالي تحكّمها بسقف أجندات نشاطه السياسي في الساحل السوري.

خامساً: التساؤلات التي لا يمكن تجنّب طرحها، إذا كنا نحرص على تقديم قراءة موضوعية

1- أين مصلحة السلطة الجديدة، (برئيسها وحكومتها، وبمؤسساتها الأمنية والسياسية، وأجندات ومسارات مشروع الانتقال الذي طرحته وتعمل عليه)، في المساهمة في تحقيق أهداف جميع الذين يعملون على جهود “إفشال تجربة سوريا الجديدة” من خلال “ضرب النسيج الاجتماعي السوري”؟

2- لماذا يتجاهل هذا بعضهم، المعارض الديمقراطي، الذي يرفع شعارات الديمقراطية ويتذرّع بمظلومية الإقصاء السياسي، تلك الوقائع والإمكانيات، ويصرّ على تحميل السلطة المسؤولية السياسية والامنية والقانونية، سواء بغضّها النظر، أو بتورّط مَن هم “محسوبين” عليها؟!

ألا تصب ثقافة هذا الخطاب السياسي، الذي يحمّل السلطة السورية المسؤولية الحصرية عن كلّ أحداث الصراع التي يتخللها ارتكاب جرائم طائفية واستثمارها سياسيا لخلق ظروف حروب طائفية، في نفس تيّارات الأطراف التي تعمل على تجييش العلويين طائفيا ضد السلطة ووضعهم في مواجهة مشروع الدولة، ولصالح مشروع تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية وقومية تحت يافطات الفدرالية واللامركزية السياسية؟

3- كيف نفسّر دوافع إصرار معارضات السلطة “الديمقراطية” على القراءة بعين واحدة، وعقلية مؤدلجة، تتجاهل إمكانية ظهور تناقضات داخل صفوق “الهيئة” والمجموعات الإسلامية التي شاركت في معارك إسقاط سلطة الأسد حول طبيعة المشروع السياسي السوري الجديد، وتحوّل بعضها الأكثر تطرفا إلى ذراع داعشي، يعمل تحت سقف أجندات القوى الساعية لتفشيل مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية، على صناعة وتحشيد الشارع الطائفي من خلال استهدف “العلويين والمسيحيين”، بما يصبّ، في المجرى والمآل، في خدمة الفدرالية القسديّة؟

لماذا يتجاهلون طبيعة الصراع المركزي على سوريا الجديدة، بين مشروعين متناقضين، ومتصارعين: مشروع سوريا اللامركزية الذي تقوده قسد، ومشروع الدولة الساعي لتوحيد البلاد وبناء مؤسسات الدولة السورية الموحّدة والمركزية؟

أيّها السادة، مواجهة المخاطر والتحدّيات التي يواجهها العلويون لا تكون بالجري خلف “مرجعيات طائفية انفصالية”، تزجّهم في مخاطر صراعات أهلية… سيكون المستفيد الوحيد من نتائجها أصحاب الأجندات السياسية، الساعية لإفشال تجربة بناء سوريا الجديدة من خلال تعميق تناقضات النسيج الاجتماعي الوطني السوري!

في خلاصة القول:

كلّ دعوة للخروج إلى الشارع تلبية لأصحاب أجندات طائفية وانفصالية، ستأخذ طابعاً طائفياً، وستجرّ، في هذه الظروف من ضعف الثقة وتصاعد خطاب التحريض الطائفي، تجييشاً طائفياً مضاداً، تحوّل نتائجه شوارع ومدن الساحل إلى مواجهات طائفية مدمّرة، وهو ما يتعارض مع مصالح الجميع، وينبغي رفضه، والبحث عن وسائل آمنة للمطالبة بالحقوق المشروعة، ودفع المظالم!.

الذين يغلّفون نواياهم وأجنداتهم السياسية بشعارات المظلومية “الأقلّويّة” وحقوق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي ورفض ممارسات الإقصاء ليسوا سوى بعض أدوات مشروع خلق الفوضى… على أمل تفشيل مسارات بناء مؤسسات الدولة وتوفير شروط ظهور كانتونات انفصالية “فدرالية” على جثّة الجسد السوري الواحد.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني