
من «وهم» القوة إلى انبعاث الهوية الوطنية؟
تتطلب اللحظة التاريخية الراهنة التي تعيشها الجغرافيا السورية، بكل تعقيداتها الجيوسياسية وتحولاتها البنيوية، مكاشفة نقدية جريئة تتجاوز البلاغة التقليدية، وتنفذ إلى جوهر الأزمة التي عصفت بالوعي القومي الكردي السوري لعقود، فالحركة السياسية الكردية في سوريا، منذ إرهاصاتها الأولى عام 1957، وجدت نفسها محاصرة بين فكي كماشة: رومانسية الشعار القومي العابر للحدود الذي دغدغ العواطف، وإكراهات الواقع السياسي السوري المحلي الذي فرض قيوداً خانقة، وهذا الانشطار البنيوي أنتج تيارات متباينة بدأت من سقف “تحرير وتوحيد كردستان” وصولاً إلى تبني “حق تقرير المصير” في ثمانينيات القرن الماضي، وهو التحول الذي لم يُثمر في حينه اعترافاً سياسياً بقدر ما أثمر استنزافاً للنخب وتعميقاً لحالة الاغتراب السياسي، ليبقى الشعور القومي مجرد طاقة كامنة تفتقر إلى أدوات تنفيذية واقعية، ومع انفجار الثورة السورية العظيمة عام 2011، دخل الوعي “القومي” الكردي السوري في طور “التمكين” عبر سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي على مناطق واسعة ضمن تفاهمات ميدانية معقدة مع النظام البائد، تطورت لاحقاً إلى شراكة استراتيجية مع التحالف الدولي في سياق محاربة الإرهاب، مما أدى إلى ولادة “كيان واقعي” امتلك أدوات الدولة السيادية من جيش وأمن، ومؤسسات مالية وإدارية، غير أن هذا الكيان ظل يفتقر إلى “الشرعية القانونية الدولية” والاعتراف الدستوري الوطني، مما خلق فجوة عميقة بين القوة المادية على الأرض والاستدامة السياسية في المستقبل، وهو ما يمكن أن نسميه “وهم القوة ” الذي اصطدم بحائط التحولات الكبرى بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024.
صعود إدارة دمشق الجديدة بقيادة أحمد الشرع الرئيس الانتقالي الحالي، والتحول الجذري في الموقف الدولي المتمثل في زيارة واشنطن ورفع عقوبات “قيصر” وانخراط سوريا في المنظومة الدولية كشريك فاعل في محاربة الإرهاب، أعاد إنتاج مفهوم “الدولة المركزية المرنة” كضرورة دولية وإقليمية لا تقبل القسمة، مما جعل شعارات الفدرالية والخصوصية العسكرية والادارة المنفصلة خارج سياق التوافقات الكبرى التي منحت الأولوية المطلقة لوحدة السلاح وسيادة المركز مع تقديم ضمانات دستورية لحقوق المكونات أمراً غير ممكناً. وفي ظل فشل رهانات قسد على “زمنية انهيار” السلطة الجديدة في دمشق، أثبتت الوقائع الملموسة أن المماطلة السياسية واللعب على حبال الوقت لم يؤديا إلا إلى خسارات ميدانية مؤلمة، من الشيخ مقصود ودير الزور إلى الرقة والطبقة، وصولاً إلى أطراف مدينتي الحسكة والقامشلي ومن ثم “اتفاقية 29 يناير “التي مثّلت، برعاية الزعيم مسعود بارزاني والجانب الأمريكي، “نقطة الانعطاف الحاسمة” وشهادة الوفاة السياسية لمشروع الإدارة الذاتية بصيغته المنفصلة، عبر إقرار دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في بنية الدولة السورية الجديدة. الا ان هذا المسار ينبغي ألا يُقرأ فقط كـ “هزيمة” عسكرية، بل كفرصة تاريخية لإعادة تموضع الكرد داخل الخارطة الوطنية السورية، مما يستوجب بالضرورة شجاعة فكرية في فك الارتباط العضوي والأيديولوجي مع المشاريع القومية العابرة للحدود التي غالباً ما وظّفت القضية الكردية السورية كأداة ضغط في صراعات إقليمية لم تجلب للإنسان الكردي السوري سوى الويلات والتهميش.
باتت الحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لتخليق “أحزاب كردية سورية ” تنطلق من رحم المعاناة والحاجة المحلية السورية، وتجعل من “دمشق” مركز ثقلها السياسي وميدان انتزاع حقوقها المشروعة، بعيداً عن أي ولاءات إيديولوجية خارجية أو فرض أجندات لا تتوافق مع الخصوصية السورية، وهذا يعني “سورنة” العمل السياسي الكردي وتحويل الثقل من “الشعارات الطوباوية” التي يروج لها البعض، ممن باتوا أبواقاً لبعض المشغلين الإقليميين، إلى “مصالح المواطن المستقرة” التي تضمن الأمن والتنمية والازدهار، والبحث عن مكاسب ملموسة في إطار اللامركزية الموسعة التي تتيح للمناطق ذات الأغلبية الكردية إدارة شؤونها المحلية دون الانفصال عن الجسد الوطني. ويكتسب الاعتراف الصريح بالكرد كمكون سوري أصيل، واعتبار لغتهم لغة وطنية، وعيد نوروز عيداً رسميا ً، مكاسب غير مسبوقة يجب البناء عليها لتطوير عقد اجتماعي سوري جديد يقوم على الحقوق والمواطنة المتساوية، واستكمال هذا المسار وتعزيزه يتطلب من النخب الكردية توظيف العقل والحكمة في حل المؤسسات الموازية لصالح مؤسسات الدولة، والإصرار على المشاركة الفاعلة والندية في صناعة القرار الوطني في دمشق، لضمان عدم عودة المركزية “المتغوّلة”، وبناء سد منيع ضد أي محاولات إقصاء مستقبلية، فالقوة الحقيقية للكرد اليوم تكمن في اندماجهم الواعي في الدولة السورية الحديثة التي يجب أن يرونها بيتهم، وبذلك يتحول الكرد من “ضحايا للجغرافيا” أو “أدوات للسياسة الدولية” إلى “شركاء مؤسسين” في صياغة مستقبل سوريا القائم على التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بعيداً عن الأوهام أو استجرار نماذج من خارج الحدود لا تشبه واقعهم ولا تخدم مستقبل أجيالهم في وطن سوري يتسع للجميع.
إن العمل السياسي في المرحلة القادمة يجب أن يتركز على بناء جسور الثقة مع المكونات السورية الأخرى، وخاصة العشائر العربية، لتفويت الفرصة على المتربصين بالاستقرار، وللتأكيد على أن الحقوق الكردية هي جزء لا يتجزأ من مسيرة الديمقراطية السورية العامة، وأن حماية الخصوصية الثقافية واللغوية لا تتعارض مطلقاً مع الهوية الوطنية الجامعة، بل تعززها وتغنيها كرافد حضاري أصيل، إلى أن تنضج الظروف الموضوعية ويتبلور موقف دولي يحترم إرادة الشعوب في إطار القوانين والمواثيق الدولية التي تضمن الاستقرار والعدالة لكل جزء وفق شروطه ومعطياته الخاصة.