
من “مدينة الجسور” إلى مدينة الجسر الواحد…دير الزور تقاوم العزلة
تعيش محافظة دير الزور، التي لطالما عُرفت بمدينة الجسور، واحدة من أكثر مراحلها صعوبة بعد أن فقدت معظم معابرها الحيوية التي تربط ضفتي نهر الفرات. ورغم أن التحرير أعاد الأمان إلى مساحات واسعة من المحافظة، فإن غياب الجسور ما يزال يشكّل عبئاً ثقيلاً على الأهالي، ويعطّل حركة الحياة اليومية، ويرفع كلفة التنقل وتأمين الاحتياجات الأساسية.
الجسر الترابي في دير الزور…معبر وحيد يواجه تحديات السلامة والاستدامة
يُعدّ الجسر الترابي في دير الزور معبراً مؤقتاً وحيوياً يربط المدينة بالريف الشرقي والشمالي، ويُستخدم بكثافة رغم ضيقه وافتقاره لمعايير السلامة، بعد أن تحوّل إلى البديل الوحيد عقب تدمير معظم الجسور الإسمنتية خلال سنوات الحرب. ويشكّل هذا الجسر شرياناً أساسياً للحركة بين القرى والمدينة، ولا سيما بين منطقتي الجزيرة والشامية، إلا أنه يشهد ازدحاماً خانقاً يومياً ويُعدّ نقطة اختناق مروري تعيق وصول الموظفين والطلاب، وتعرّض الحالات الإسعافية لمخاطر حقيقية في ظل غياب أي طرق بديلة.



وخلال العامين الأخيرين، خضع الجسر لأعمال صيانة متقطعة ومحاولات لإعادة تأهيله، كان آخرها في آذار 2025 حين أعلنت الجهات المعنية بدء ترميمه بعد انقطاع دام شهرين بسبب ارتفاع منسوب المياه وتلف الجزء المعدني، نتيجة تفجيره من قبل تنظيم “قسد”، قبل أن تعيد المحافظة فتحه بعد تأمين القطع اللازمة من الوحدات الهندسية. ورغم هذه الجهود، ما يزال الجسر محوراً دائماً للجدل والمطالبات بتحسينه أو استبداله، باعتباره الحل الوحيد المتاح حالياً لعبور السكان بين ضفتي الفرات، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الاعتماد على معبر غير آمن وغير مستدام يمسّ حياة مئات الآلاف يومياً.
كما تم بتاريخ 22 كانون الثاني إغلاق جسر المحافظة القديمة وجسر العيور باستخدام السواتر الترابية، مع الإبقاء على جسر الجورة مفتوحاً أمام الحركة المرورية، وذلك في إطار الإجراءات المتخذة للحد من الازدحام على الجسر الترابي وتنظيم حركة السير.
مطالبات شعبية في الميادين…وحلول إسعافية مطلوبة
في ريف دير الزور الشرقي، تتصاعد شكاوى السكان، ولا سيما في مدينة الميادين، حيث يطالب الأهالي بالإسراع في تجهيز جسر المدينة أو اعتماد حل إسعافي عبر إنشاء جسر ترابي يخفف من معاناتهم اليومية. فغياب الجسر يعرقل وصول المرضى إلى المراكز الصحية، ويؤخر نقل البضائع، ويضاعف المسافات بين القرى المتقابلة على ضفتي النهر، علماً أن الريف الشرقي للمحافظة مقسوم بالنهر بين منطقتي الجزيرة والشامية.
ردم جسر العشارة بجهود الأهالي يشكّل خطوة أولى لإعادة الحركة بين الضفتين
وبعد يومين فقط على تحرير الضفة الشرقية لنهر الفرات، سارع أهالي دير الزور، بدعم من مسؤولي المحافظة وبجهود فردية، إلى ردم جسر مدينة العشارة لإعادته إلى الخدمة بشكل إسعافي. وجاءت هذه الخطوة استجابة مباشرة لمعاناة السكان، وحرصاً على استعادة الحركة الطبيعية بين الضفتين، بما يسهّل تنقّل الطلاب والموظفين والمزارعين، ويعيد قدراً من الاستقرار إلى المنطقة.
جسر عين البوجمعة…خطوة جديدة لتعزيز الربط بين المدينة وريفها الغربي
تقترب أعمال تأهيل جسر عين البوجمعة من مراحلها النهائية ضمن حملة “دير العز”، مع توقعات بإنجاز المشروع خلال الأيام القليلة المقبلة وإعادة الربط بين مدينة دير الزور وريفها الغربي. وتشرف فرق فنية وهندسية متخصصة، بالتعاون مع الجهات الخدمية في المحافظة، على تنفيذ المشروع بوتيرة متسارعة، بعد أن أنهت تجهيز أرضية العبّارة المنفذة على مرحلتين، في خطوة يُنتظر أن تشكّل متنفساً حقيقياً للأهالي وتسهّل حركة العبور بين القرى المحيطة.
أصوات من الميدان…معاناة يومية لا تهدأ
عبّر الأهالي عن استيائهم وناشدوا الجهات المعنية، في ظل اضطرارهم لعبور جسر ترابي ضيق وغير آمن يربط ضفتي الفرات، وسط مطالبات متصاعدة للحكومة السورية ببناء جسور تضمن عبوراً آمناً. وأكد السكان أن هذا المطلب لم يعد خدمة قابلة للتأجيل، بل ضرورة يومية باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وشدّد الأهالي على ضرورة التوقف عن الحلول العشوائية والبدائية، والاتجاه نحو خيارات مدروسة ومستدامة تضمن السلامة العامة وتخدم السكان بأقل كلفة ممكنة.
يقول ياسر الساير، أحد أهالي الميادين، إن غياب الجسر أجبر السكان على استخدام العبارات لعبور النهر، موضحاً أن “العبّارة ليست حلاً دائماً، فهي تتوقف مع تغيّر مستوى المياه أو عند أي عطل بسيط، ما يجعل تنقلنا غير مضمون”. ويضيف أن الأهالي يضطرون لقطع مسافات طويلة للوصول إلى الضفة المقابلة، مؤكداً أن “إعادة الجسر أو إنشاء معبر ترابي مؤقت بات ضرورة ملحّة”.
أما أسامة الغبين، طالب من ريف العشارة، فيوضح أن الاعتماد على العبارات أثّر بشكل مباشر على المرضى والطلاب، مشيراً إلى أن “نقل المرضى عبر العبّارة في الحالات الإسعافية أمر بالغ الخطورة، خصوصاً عند ارتفاع منسوب المياه أو سوء الأحوال الجوية”. ويؤكد أن الأهالي ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء صيانة جسر العشارة لأنه “شريان حياة للمنطقة”.
أمل الأهالي…أن تعود دير الزور كما كانت
ورغم التحديات الكبيرة، يتمسّك أبناء دير الزور بالأمل في أن تستعيد محافظتهم مكانتها كمدينة نابضة بالحياة، تربط ضفتي الفرات بجسور متينة، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.