
معارك السيطرة على الحسكة، وعواقبها في سياسات إقليم كردستان العراق
كيف نفهم تعقيدات المرحلة الأخيرة من حسم الصراع على الجزيرة السورية؟
تغيّرات سريعة في شروط السيطرة الميدانية في أعقاب الانهيار السريع لقوات “قسد” أمام الجيش السوري ومقاتلي العشائر العربية منذ فجر الأحد 18 يناير. نجاحات القيادة السورية المتسارعة في إعادة السيطرة على معظم أجزاء إقليم “روجافاي كردستان” في دير الزور والرقة ومناطق كبيرة في أرياف الحسكة، أدّت إلى تجاوز اتفاق مارس، و وجّبت، في إطار حرص الدولة السورية والشريك الأمريكي على عدم حسم معركة السيطرة على آخر مواقع تنظيم قسد في الحسكة عسكريا، التوصّل إلى اتفاق 18 يناير الذي شكّل ما يشبه الفرصة الأخيرة، في تضمينه لآليات وتوقيت محددين لتفكيك ميليشيات قسد الرئيسية، و دمج عناصرها وقياداتها في مؤسسات الدولة السورية، المدنية والعسكرية، وفقا لروح اتفاق العاشر من مارس، وعلى خلفية المرسوم التشريعي رقم 13، لكن سرعان ما واجهت خطوات التنفيذ عقبات، حاولت القيادة السورية والوسيط الأمريكي معالجة أسبابها خلال هدنة جديدة، أعطت فرصة لمواصلة الحوار الأمريكي في أربيل، واتصال مباشر بين الرئيس السوري ورئيس الإقليم مسعود البرزاني، دون التوصّل إلى حل نهائي حتى تاريخه!!.
كيف نفهم الأسباب الحقيقية لتعثّر خطوات التسوية السياسية النهائية حول شروط السيطرة على آخر معاقل قسد في الحسكة؟
أعتقد أنّ الذي يتحمّل مسؤولية التسويف في تنفيذ اتفاق 18 يناير وتفشيل اتفاقيات “الشرع – عبدي” بشكل عام، ليس مظلوم عبدي شخصياً، وقد يكون هو الأحرص على تنفيذها، وقد أدرك طبيعة المتغيّرات في استراتيجية إدارة ترامب تجاه مشروع ” الفدرالية“!.
يبدو لي أنّ عاملين رئيسيين يتكاملان في تفشيل مسار التسوية السياسية:
1- قيادات حزب العمال الكردستاني التركي المتمركزة في قنديل، والتي تهيمن على القرار العسكري والأمني في قيادة وحدات حماية الشعب والمرأة، والأسايش – العمود الفقري “الكردي” لقسد. وهي تفعل ذلك ليس لأنها مرتبطة بمشروع السيطرة الإيرانية فحسب، بل ولأنّها غير سورية، ولا يعنيها مصالح الكرد السوريين، وتتعارض موجّبات الحفاظ على امتيازاتها مع نجاح جهود توحيد سوريا، واستقرارها. فنجاح الجهود الراهنة لا يفقدها المزايا التي حصلت عليها فحسب، بل وتستثنيها من مزايا التسوية السياسية.
2- العامل الرئيسي المفشّل يكمن في دوافع مصالح القيادة “الديمقراطية” في أربيل!.
ما هي حقيقة دوافعها لتفشيل التسوية؟
يُدرك البارزاني، الأب والابن، جيداً طبيعة التغيّرات في استراتيجية إدارة ترامب، وقد سمعا بالتأكيد توم باراك وهو يتحدّث بالتفصيل عن فشل تجربة تقسيم العراق “فدرالياً”، ومن حق البارزانيين أن يقلقوا على مستقبل كيانهم “الديمقراطي” وهم يرون تسارع خطوات إعادة توحيد سوريا!
أسباب القلق العميقة في سياسات قيادة أربيل هو معرفتها لحقيقة فقدان الإقليم الأمريكي مظلّة حمايته الإستراتيجية، وانّه عندما تنتهي “قصة” الفدرالية السورية بتسوية، ودون إراقة دماء، قد تنقل خطوات إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة إلى العراق، ويصبح كيان البارزاني في مواجهة المخاطر التي يواجهها كيان قسد منذ سقوط سلطة الأسد.
من هنا، تسعى قيادة أربيل إلى تفشيل جهود التسوية وفقا لشروط السلطة السورية، وإغراق الخطوة الأخير بدماء السوريين، علّها تستطيع وقف تقدّم قطار إدارة ترامب، وقد شهدت مناطق سيطرة الإقليم تجييشاً “كردياً” غير مسبوق، وصل إلى درجة الدعوة إلى النفير العام، نصرة للكرد السوريين، الذين يواجهون حروب “تهجير وإبادة”.
مخاطر لجوء قيادة أربيل إلى إشعال نيران حروب قومية دامية ليست غير واقعية، خاصة إذا أصرّت الحكومة السورية والشريك الأمريكي على تفكيك سلطة “روجافاي كردستان” في آخر مواقعها في الحسكة، وستعمل على تغذيتها بجميع الوسائل، في محاولة لقطع مسار التغيير الأمريكي، والإبقاء على كيان قسد، كدرع لإقليمه الذاتي! بالطبع، تدرك القيادات السورية والأمريكية حقيقة أسباب موقف الاستعصاء الحالي، وهي تعمل على سحب أوراق قيادة أربيل..
في أبرز الجهود فاعلية، يأتي التنسيق الأمريكي مع الحكومة العراقية، وقد ظهرت بوادره في التوافق على ترحيل سجناء داعش إلى مواقع آمنة تحت سيطرة الحكومة العراقية…. ويمكن أن تصل إلى درجة استخدام الجيش العراقي لفصل مناطق إقليم العراق عن مناطق “قسد”!.
على أية حال، إنّ سياسات القيادة البرزانية تجاه ملف الصراع على الجزيرة السورية تشكّل تدخّلا سافرا في الشؤون الداخلية السورية، وتهديدا خطيرا، ليس فقط لما يمكن أن يحصل عليه الكرد السوريين من مكتسبات التسوية السياسية فحسب. بل وللأمن القومي السوري والتركي والعراقي، وتحدّيا واضحا لسياسات إدارة ترامب، وهو ما يضع قيادة أربيل في موقف لا تحسد عليه، يذكّرنا بظروف سابقة عام 2017، عندما أصرّت على “استفتاء الاستقلال” وأظهرت فشلا ذريعا في إدراك موانع تحقيقه في سياسات ومصالح الولايات المتّحدة، وقد دفعت أثماناً.
في نفس السياق، تمثّل سياسات قيادة أربيل تحدّياً خطيراً أمام نخب أحزاب “المؤتمر الوطني الكردي” السورية التي تتخذ من “البارزانية” مرجعية لقرارها السوري.
على أيّة حال، الساعات القليلة المتبقية من فترة الهدنة هي الأكثر خطورة، وهي تضع الجميع أمام خَيارات صعبة، توجّب اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة!.
شخصياً، أعتقد باستحالة تنازل سلطة الدول السورية عن أهداف بسط سيطرة الدولة الكاملة على جميع مناطق الحسكة، خاصة مناطق التخوم مع العراق وتركيا.. وهي خطوات سيادية، غير قابلة للتفاوض، وهو ما يضع الكرة في ملعب قيادة أربيل.
الحسم العسكري سيكون أسوأ الخَيارات، وسيترك عواقب وخيمة على الجميع.