مجلس الشعب الانتقالي: اختبار الإرادة السورية ومسار العبور نحو الدولة

0

ليست القضية في سوريا اليوم هي مجرد انتقال من حكم إلى آخر، بل هي إعادة بناء للمعنى الذي يحمله مفهوم الدولة ذاته، وترميم للعقد الاجتماعي الذي تهشّم تحت وطأة الاستبداد والحرب. وفي قلب هذه العملية المعقدة، يبرز الحديث عن مجلس شعب انتقالي كأحد أبرز معالم المرحلة المقبلة، ليس بوصفه مجرد هيئة تشريعية مؤقتة، بل كمساحة اختبار دقيقة لإرادة السوريين في صياغة حاضرهم والانطلاق نحو مستقبل يستحقونه.

إن تشكيل مجلس شعب انتقالي لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي مرافق لحكومة انتقالية، بل كمفتاح دستوري سياسي يُعاد من خلاله ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالسوريون، الذين عانوا لعقود من غياب التمثيل الحقيقي، يدركون أن وجود سلطة تشريعية نزيهة وفاعلة في هذه المرحلة لا يهدف فقط إلى ملء فراغ سياسي، بل إلى ضمان أن تكون العملية الانتقالية نتاجاً لإرادة وطنية وليس لترتيبات فوقية مفروضة من الخارج أو من بقايا البنية الأمنية القديمة.

وعلى هذا الأساس، تصبح مهمة المجلس أعمق بكثير من مجرد إصدار قوانين طارئة تتعلق بمرحلة مؤقتة. إنه معنيّ برسم ملامح سوريا الحديثة، بدءاً من قانون جديد للأحزاب يعيد تعريف العمل السياسي خارج عباءة الحزب الواحد، ويؤسس لحياة حزبية حرة قادرة على التعبير عن التنوع السوري لا على إعادة تدوير الانقسامات. كما يُنتظر منه أن يقر قانوناً للإعلام لا يكتفي برفع القبضة الأمنية عن الكلمة، بل ينظم الفضاء الإعلامي على أسس مهنية، ويضمن استقلالية المؤسسات الإعلامية، ويحولها إلى سلطة رقابية فعالة لا أداة للدعاية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مضمون القوانين، بل في قدرة هذا المجلس على التأسيس لثقافة تشريعية مختلفة، تُعلي من شأن النقاش العام، وتُشرك المواطنين، وتحترم التعدد، وتعيد الاعتبار لفكرة القانون بوصفه التعبير الأرقى عن التوافق المجتمعي، لا أداة للإخضاع.

وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل المهام الحساسة التي ستقع على عاتق هذا المجلس في ما يتعلق بإعادة تنظيم دور الأجهزة الأمنية والجيش. فهذه المؤسسات، التي كانت على مدى عقود أداتي السلطة للضبط والسيطرة، لا بد من إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع والدولة على أساس من المهنية والحياد، بما يضمن أمن البلاد ويحمي الحريات، لا أن يظل الأمن ذريعة لتجميد السياسة وتعليق الحياة العامة. إن أي قانون يصدر في هذا المجال لا بد أن يعبّر عن قطيعة حقيقية مع ممارسات الماضي، وأن يضع الأسس لبناء منظومة أمنية وطنية خاضعة لرقابة مدنية، ولقوات مسلحة تحمي الحدود لا تعتقل المواطنين.

كما لا يمكن للمجلس أن يغفل عن التحدي الاقتصادي الذي سيكون أحد أعمدة الاستقرار أو التفكك. فمرحلة ما بعد الحرب، بما فيها من دمار واسع في البنى التحتية وانهيار شبه كامل في مؤسسات الدولة، تفرض الحاجة إلى تشريعات استثمارية مرنة وواضحة، قادرة على استقطاب رؤوس الأموال، وتحفيز الشركات الأجنبية على المساهمة في إعادة الإعمار، مع ضمان سيادة القرار الوطني وعدم السماح بتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للاستغلال أو الهيمنة.

وإذا كانت كل هذه المهام ثقيلة وصعبة، فإن الصعوبة الحقيقية تكمن في القدرة على مراكمة الثقة. فلا جدوى من مجلس تشريعي جديد يحمل لغة قديمة، ولا قيمة لقوانين لا تُولد من رحم نقاش وطني شامل، ولا تُطبّق إلا على الورق. إن مجلس الشعب الانتقالي، بما يحمله من رمزية ودور محوري، سيكون تحت المجهر الشعبي والتاريخي، وسيُحاسب لا فقط على ما ينجزه، بل على ما يتجاهله أو يؤجله أو يفرغه من مضمونه.

في نهاية المطاف، لا يمكن فصل هذا المجلس عن القضية الكبرى التي يعيشها السوريون اليوم وهي كيف نُخرج السياسة من عباءة الأمن، ونُعيد للقانون هيبته لا بوصفه أداة قمع، بل باعتباره الحارس للكرامة والحقوق؟ وكيف نبني دولة لا يُشبه حاضرها ماضيها إلا بقدر ما يشبه النور ظلّه؟ هذا هو الامتحان الحقيقي الذي سيواجهه مجلس الشعب الانتقالي، وهذا هو التحدي الذي سيحدد إن كانت سوريا قد بدأت حقاً رحلة عبورها نحو الدولة، أم أنها ما زالت عالقة في متاهة الماضي تتقمص أدوار المستقبل دون أن تنتمي إليه.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني