مؤتمر الحسكة: بين اللامركزية السياسية وحلم الانفصال

0

في مشهد سياسي متشابك لا يخلو من الرسائل المبطنة، عقدت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مؤتمراً موسعاً في مدينة الحسكة تحت شعار “وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا”. ورغم ما حمله العنوان من دعوات للتآلف والشراكة، فإن مخرجات هذا المؤتمر بدت في نظر كثيرين أقرب إلى خطوة تصعيدية تُفجِّر الاتفاق الذي وقَّعته قيادة قسد مع الرئيس أحمد الشرع في العاشر من آذار الماضي، وهو اتفاق كان من المفترض أن يمهِّد لإعادة دمج مؤسسات المنطقة في بنية الدولة السورية وضمان وحدة البلاد.

اتفاق آذار: فرصة أُهدرت

كان اتفاق 10 آذار بين الشرع وقيادة قسد بمثابة انفراجة سياسية نادرة بعد سنوات من القطيعة والاتهامات المتبادلة. نص الاتفاق على ثلاثة محاور رئيسية:

1. دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في مناطق سيطرة قسد ضمن هيكلية الدولة السورية.

2. الاعتراف بحقوق جميع المواطنين، بما في ذلك المكوّن الكردي، في إطار وحدة وسيادة سوريا.

3. الالتزام بوقف شامل للأعمال العسكرية وفتح قنوات حوار مستمرة.

لكن، وبعد أقل من خمسة أشهر، جاء مؤتمر الحسكة ليطرح تصورات تتناقض جوهرياً مع هذا الاتفاق، بدءاً من المطالبة بصياغة دستور جديد على أساس اللامركزية السياسية، وصولاً إلى الإشارة لضرورة إعادة توزيع السلطات بين المركز والأقاليم، وهو ما اعتبرته دمشق مقدمة واضحة لتفكيك السلطة المركزية ومن ثم التمهيد لانفصال تدريجي.

المؤتمر: منصة لتثبيت رؤية جديدة

شارك في المؤتمر نحو 400 شخصية من خلفيات قومية ودينية متعددة: أكراد، عرب، سريان، آشوريون، أرمن، ودروز. ورغم أن هذا التنوع الظاهري يوحي بالشمولية، إلا أن الجوهر السياسي للمخرجات كان يدور حول فكرة “اللامركزية السياسية” التي تمنح مناطق شمال وشرق سوريا سلطات تشريعية وتنفيذية شبه مستقلة.

هذا الطرح يتجاوز بكثير الصيغ الإدارية المحدودة التي يمكن أن يقبل بها المركز، ويدخل في صلب مشروع سياسي طالما تحدّثت عنه قسد في دوائرها الضيقة: مشروع نواة كيان كردي يمتد لاحقاً ليشمل مناطق أوسع من الجزيرة والفرات، ويُبنى على أساس أمر واقع مدعوم بتحالفات دولية وإقليمية.

رد دمشق: إدانة واتهام بالتفريط

جاء الرد الرسمي السوري سريعاً وحادّاً، إذ أصدرت وزارة الخارجية بياناً اعتبرت فيه أن مؤتمر الحسكة “نسفٌ كامل” لاتفاق آذار، و”خروج على التفاهمات الوطنية”، بل و”دعوة صريحة لتدويل القضية السورية تحت ستار الشعارات الديمقراطية”.

واتهمت دمشق قسد بالسير في خط انفصالي متناغم مع مشاريع أمريكية وإسرائيلية تستهدف تقسيم سوريا إلى كيانات متناحرة، وتحويل مناطقها الشرقية إلى “جيب سياسي” لا يخضع لسلطة الدولة، تمهيداً لإقامة كيان كردي ذي صبغة قومية واضحة.

التحركات المشبوهة: ورقة للهجري وفلول الساحل

في سياق التحليل السياسي، يرى مراقبون أن قسد لم تتحرك بمعزل عن شخصيات وقوى محلية مثيرة للجدل، من بينها بعض الفاعلين في السويداء مثل الشيخ حكمت الهجري، الذي برز اسمه في تحركات جنوبية تحمل شعارات مطلبية، لكنها لا تخلو من رسائل سياسية قد تُستثمر في خطاب اللامركزية.

كما يُشار في الكواليس إلى اتصالات غير معلنة مع بقايا مجموعات مسلحة من الساحل السوري، تُوصف بأنها “فلول” ذات ارتباطات سابقة بمشاريع معارضة مسلحة، لكن حضورها الآن يتخذ طابعاً سياسياً أكثر من كونه عسكرياً. توظيف هذه الأطراف – إن صحّت المعطيات – يمنح قسد غطاءً أوسع لخطابها، ويتيح لها الادعاء بأنها لا تمثل الأكراد وحدهم، بل تحظى بدعم “مكوّنات سورية متنوعة” تطالب جميعها باللامركزية.

من اللامركزية إلى الانفصال

اللافت أن قسد تسوِّق مشروعها باعتباره خياراً ديمقراطياً يضمن الحقوق ويمنع عودة “الاستبداد المركزي”، لكنها تتجنب الإجابة المباشرة عن سؤال جوهري: هل يشكل هذا المشروع خطوة أولى نحو الانفصال؟

بالنظر إلى تجارب سابقة في الإقليم، فإن تبني نموذج لامركزي سياسي كامل الصلاحيات، مع سيطرة أمنية واقتصادية محلية، هو في الواقع تأسيس لبنية دولة مستقلة تنتظر فقط إعلاناً سياسياً لتكتمل عناصرها. وهذا ما تخشاه دمشق، خاصة وأن مناطق الجزيرة والفرات تضم ثروات نفطية وزراعية هائلة، وخسارتها ستشكل ضربة استراتيجية واقتصادية بالغة للدولة السورية.

الدور الخارجي: دعم معلن وخفي

لا يمكن فصل توقيت ومضامين مؤتمر الحسكة عن الدعم الأمريكي المستمر لقسد، سواء على مستوى التسليح أو التدريب أو الغطاء السياسي في المحافل الدولية. فواشنطن تنظر إلى قسد باعتبارها حليفاً موثوقاً في محاربة “داعش”، وفي الوقت نفسه ورقة ضغط على دمشق وأنقرة وطهران.

إلى جانب ذلك، هناك انفتاح أوروبي نسبي على قنوات تواصل مع الإدارة الذاتية، وخصوصاً من بعض الدوائر الفرنسية، التي كانت تستعد لاستضافة جولة محادثات بين دمشق وقسد في باريس قبل أن تتأجل إثر الخلافات الأخيرة.

مأزق المفاوضات المقبلة

إرجاء محادثات باريس بعد مؤتمر الحسكة يعكس عمق الهوة التي نشأت مجدداً بين الطرفين. فدمشق لن تقبل بأي صيغة سياسية تضعف سلطتها المركزية، بينما ترى قسد أن هذه لحظة مناسبة لفرض شروطها مستفيدة من الموقف الدولي وانشغال الحكومة السورية بملفات داخلية وإقليمية معقدة.

في ظل هذا التجاذب، تبدو فرص العودة إلى مسار اتفاق آذار ضعيفة ما لم تحصل ضمانات جدية تُلزم قسد بالتخلي عن طموحات اللامركزية السياسية الكاملة، والاكتفاء بصيغ إدارية محدودة ضمن إطار الدولة.

خاتمة: مفترق طرق حاسم

يمكن القول إن مؤتمر الحسكة لم يكن مجرد لقاء محلي لمناقشة قضايا خدمية أو إدارية، بل محطة سياسية متقدمة في مشروع استراتيجي طويل الأمد، تسعى من خلاله قسد إلى إعادة صياغة شكل الحكم في سوريا، وربما رسم حدود جديدة على الأرض.

وبينما تصر دمشق على أن هذا المسار تهديد مباشر لوحدة البلاد وسيادتها، تحاول قسد إقناع الداخل والخارج بأن مشروعها هو ضمانة للتنوع والاستقرار. لكن التجارب السياسية في المنطقة تؤكد أن مثل هذه الخطوات – إذا لم تُضبط ضمن إطار وطني جامع – قد تتحول سريعاً من مطلب إداري إلى انفصال كامل، خاصة إذا توافرت له الحماية الخارجية والموارد المحلية.

وهكذا، تجد سوريا نفسها أمام مفترق طرق جديد: إما العودة إلى طاولة المفاوضات بروح الاتفاق الوطني، أو الانزلاق نحو مسار قد يعيد إنتاج سيناريوهات التقسيم التي لطالما حذر منها السوريون.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني