
كيف يمكن تجنيب السوريين عواقب الصراع المسلّح على مناطق سيطرة قسد؟ (2-2)
ثالثاً: تبدأ خارطة الطريق بخطوة الإعلان الواضح والصريح عن تخلّي قيادات “إقليم شمال وشرق سوريا” (قسد ومسد والإدارة الذاتية) عن مشروع “اللامركزية السياسية” والتوقف عن دعم قوى وأذرع ونزعات المشروع الانفصالية في الساحل السوري والسويداء في إطار مسار سياسي، تنفيذي وتشريعي جديد، يبدأ بخطوة تغيير حكومي بمشاركة فاعلة وحقيقية من تيارات وأحزاب وشخصيات سياسية قومية ووطنية كردية سورية، ودور قيادي فعّال لمظلوم عبدي في الإدارة العسكرية، يُعيد بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية في ضوء وقائع زوال أخطار التقسيم التي كانت تشكّل قسد محرّكها ومحرّضها الرئيسي، وتتركّز أولى مهامها على تفكيك هياكل الفصائل التنظيمية، ودمج سلاحها وعناصرها في مؤسسات دولة مركزية موحّدة، إضافة إلى عقد مؤتمر وطني تأسيسي، يؤكّد على ضمان حقوق جميع المجتمعات القومية الثقافية والسياسية في إطار حقوق المواطنة المتساوية، ويقر مبدأ اللامركزية الإدارية الذاتية في الحكم..”
في التفاصيل:
1- إعادة اجتماع القوى والتيارات السياسية الكردية التي أعطت في كونفراس 26 نيسان قسد الشرعية القومية الكردية السورية لمشروعها السياسي الكردستاني عندما تبنّت أطروحة مسد الرئيسية حول “اللامركزية السياسية”[1]، من أجل إعادة تقييم الموقف السياسي، وإعلان التخلّي عن مشروع اللامركزية السياسية ووقف جمع علاقات التنسيق والدعم مع قواه في الساحل والسويداء.
2- تصحيح مسارات العملية السياسية الانتقالية التي أطلقتها السلطة الجديدة في حيثيات ونتائج وأهداف مؤتمر النصر 29 يناير، عبر تشكيل حكومة جديدة بمشاركة شخصيات سياسية وطنية وقومية كردية، تعمل على توفير شروط إطلاق مؤتمر وطني تأسيسي، يشكّل القاعدة السياسية والتشريعية لبناء مؤسسات الدولة المركزية.
3- تكليف السيد مظلوم عبدي بوزارة الدفاع السورية الجديدة أو أي منصب وزاري عسكري سيادي، للعمل وفقا لآليات تفكيك جميع الفصائل العسكرية، التابعة للهيئة أو لقسد والجيش الوطني ولحكمت الهجري أو في الساحل، وإعادة دمج سلاحها وعناصرها في هياكل وزارة الدفاع السورية وفقا لقاعدة الانتساب التطوّعي، الغير إلزامي، مع استثناء جميع العناصر والقيادات الغير سورية، وتقديم التعويضات المناسبة!
أعتقد أنّ البديل لنجاح هذه المسارات هو ذهاب الجميع إلى الحرب، وذهاب قسد إلى الحضن الإسرائيلي، دون الحد الأدنى من فرص النجاة، وقد نقلت واشنطن مظلّة الحماية الأمريكية من قسد إلى السلطة السورية الانتقالية، وتسعى تل أبيب إلى تفاهمات سياسية شاملة مع دمشق!! العواقب ستكون كارثية على الجميع، لكنّ سيكون الكرد، وحقوقهم السياسية والثقافية القومية، الضحية الأولى!!
من المؤسف أنّه ما تزال النخب السياسية الكردية والسورية المرتبطة بمشروع قسد تتجاهل ضرورة رؤية جميع جوانب مشهد الصراع، وتركّز خطابها على ما يجب على السلطة فعله، متجاهلة طبيعة الصراع، وأولوية مبادرة قسد للتخلّي عن أهداف وأدوات مشروع “روجافاي كردستان” الانفصالي من أجل إعادة إطلاق مسارات عملية سياسية انتقالية وطنية[2].
من الجدير بالذكر والاهتمام وجود تيارات وأحزاب سياسية كردية سورية، غير مرتبطة بأجندات المرجعيات الكردستانية الإقليمية، وتقدّم خطابات كرديا وطنيا يستحق كلّ الاهتمام من قبل الرأي العام السوري والحكومي[3].
[1]– بناء على استنتاج عام ورؤية كردية وكردستانية مشتركة، توافقت على أهميّة استغلال الفرصة التاريخية التي اعقبت سقوط سلطة الأسد، وتواجه في قيادتها السلطة الجديدة تحدّيات خطيرة، من أجل تثبيت إنجازات مشروع قسد وشرعنتها في بنود دستور سوريا المستقبل، وعبر بناء نظام سياسي لامركزي، يحول دون إعادة بناء مؤسسات سلطة نظام سوري مركزي، تداعت تيارات وأحزاب “المجلس الوطني الكردي”، بدعم من مرجعيتها الكردستانية في إقليم العراق، وقيادة قسد، بدعم من قياداتها الكردستانية التركية، ودعم فرنسي، في أواخر أبريل/نيسان الماضي إلى عقد كونفرانس “وحدة الموقف والصف الكردي”، في “قامشلو”.
لقد تبنّت رؤية مؤتمر “وحدة الموقف والصف الكردي”، الاطروحة السياسية المركزية في مشروع قسد لشرعنة وجود “إقليم شمال وشرق سوريا” واستراتيجية تعميم نموذجه في مناطق سورية أخرى، من خلال الموافقة على طلب “توحيد المناطق الكردية لتشكل وحدة إدارية وسياسية” في إطار دولة “اللامركزية”، وقد اعتبر بيان الرئاسة السورية أنّ “مخرجات المؤتمر تتعارض مع الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، مشددا على أنّ “وحدة سوريا أرضاً وشعباً خط أحمر” مؤكّدة رفضها محاولات فرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة دون توافق وطني. كما أعربت عن قلقها من أيّة توجهات لإجراء تغييرات ديمغرافية في بعض المناطق “ومحذّرة من محاولات تعطيل مؤسسات الدولة واحتكار الموارد”. وأكّد على حقوق الكرد على قاعدة المواطنة والمساواة، دون “تدخّل خارجي”.
[2]– يتجاهل الوعي السياسي والثقافي النخبوي الموالي لقسد طبيعة الصراع على شكل السلطة ومصير الكيان الجيوسياسي، وأولويّة قيام قيادات “إقليم شمال وشرق سوريا” بالتخلّي عن مشروع اللامركزية السياسية من أجل توفير الشروط الوطنية لإعادة إطلاق مسارات عملية سياسية انتقالية تشاركية، ويركّزون على ما يجب على السلطة القيام به.
هو حال آخر قراءة للصديق العزيز، الكاتب والمحلل السياسي المتميّز والقيادي في تيار مستقبل كردستان سوريا، العضو الفاعل في “المجلس الوطني الكردي” التي تحالفت مع قسد في مخرجات كونفرانس نيسان، وتحت عنوان “سوريا: خارطة عبور نحو الاستقرار والدولة”. مشروعه لإنقاذ الوطني يتجاهل ما يجب على الطرف المُعطّل القيام به، إذا كنا نسعى إلى مشروع إنقاذ وطني واقعي: “وسط الخراب السوري المتراكم، واستمرار حالة التشظي السياسي والانقسام المجتمعي، تبدو الحاجة إلى مشروع إنقاذ وطني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.. لم يعد أمام السوريين سوى خيار واحد: التفاهم الداخلي على خارطة عبور نحو الاستقرار والدولة، تبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية وتنتهي بوضع دستور جديد عبر جمعية تأسيسية.
إن حكومة الوحدة الوطنية هي المخرج السياسي، التي تفرضها ضرورات مرحلة ما بعد الأسد لإعادة توحيد الدولة السورية المتشظية، وإنهاء تعدد السلطات والمجموعات المسلحة، وتوفير سلطة تنفيذية انتقالية تحظى بشرعية داخلية وتفاهم إقليمي ودولي. بحيث تتشكل هذه الحكومة على قاعدة التمثيل الوطني، وأن تضم شخصيات من مختلف القوى الوطنية والسياسية والمجتمعية، مع مراعاة التوازن بين المكونات القومية والدينية، بحيث تكون التعبير الحقيقي عن إرادة السوريين وليست عبر تفاهمات غرف التفاوض المغلقة. لماذا يتجاهلون ما يجب على قسد فعله، لكي يصبح ممكناً إعادة إطلاق المشروع الوطني؟ هل يجب أن تكون السلطة إلى هذه الدرجة من السذاجة السياسية لكي تطلق مشروعا وطنيا بمشاركة قسد وتياراتها السياسية القومية دون التخلّي عن مرتكزات السلطة والسلاح على ما يزيد عن ربع مساحة الجمهورية السورية؟
[3]– من جهة ثانية، وعلى الطرف الكردي السوري المقابل لمشروع قسد، نجد رؤية أكثر موضوعية في تشخيص طبيعة مأزق العملية السياسية الانتقالية. كتبت السيدة سكينة حسن”، عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)،
“نحن في الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) نؤكد بكل وضوح وصدق أننا كرد سوريون نناضل من أجل سوريا حرة متقدمة دولة يسودها العدل والمساواة خالية من الظلم والتمييز مع الاحترام الكامل لخصوصية الشعب الكردي وجميع مكونات الشعب السوري.
ننطلق في نضالنا من الهوية الوطنية السورية ونستند إلى تاريخ طويل من الكفاح تؤكده أدبيات الحزب ووثائقه ولسنا بحاجة إلى شهادات من أحد لقد شاركنا في ثورة الحرية والكرامة منذ لحظاتها الأولى ووقفنا مع الشعب السوري في مواجهة نظام الأسد الإجرامي في كل الظروف رغم التحديات والتضحيات.
انعقد مؤتمرنا الثاني عشر قبل اربعة أعوام تحت شعار: القضية الكردية في سوريا قضية وطنية بامتياز. ونحن نرفض أي تدخل خارجي في مصيرنا وشؤوننا الداخلية.
لقد كنا: أول حزب كردي يصدر بياناً تأييدياً لعملية “ردع العدوان” في يومها الأول وأول حزب كردي يؤيد مؤتمر النصر بشكل مباشر في رئاسة الاخ احمد شرع رئيساّ للبلاد
والحزب الوحيد الذي رفض نتائج كونفرانس القامشلي بين قسد وبعض الأحزاب الكردية، مؤكدين أن نتائج الكونفرانس لا يعنينا لا من بعيد ولا من قريب. ما يعنينا هو سوريا ووحدة أراضيها، لا أجندات ضيقة أو مشاريع مشبوهة.
كما كنا في أحداث السويداء الجهة الكردية الوحيدة التي أصدرت بياناّ داعماّ لموقف الدولة في بسط سيطرتها على كامل التراب الوطني مع تسجيل بعض الملاحظات الضرورية.
ونحن كذلك الطرف الوحيد الذي وقف بوضوح ضد ممارسات قسد ومسد وما تسمى بالإدارة الذاتية والتي تعمل على دفع الكرد إلى مواجهة مفتوحة مع الشعب السوري وضرب وحدة البلاد ومصالحها العليا.
على مدى أربعة عشر عاماّ دفعنا ثمن هذه المواقف الوطنية الشجاعة في الساحة الكردية وحتى من بعض الجهات الرسمية التي تتجاهل تاريخنا ودورنا الوطني ومواقفنا الشجاعة تجاه الوطن.
نؤمن أن بسط سيادة الدولة السورية على كامل التراب الوطن هو ضرورة وطنية وواجب مقدس وأي محاولة لتجزئة البلاد أو تقويض سيادتها جريمة بحق الوطن والشعب.
.. سنظل كما كنا نرفض كل المشاريع المشبوهة ونعمل من أجل سوريا ديمقراطية موحدة تحفظ كرامة الجميع”.