قراءة نقدية في رواية «سمسق» للكاتبة فاتن ديركي

0 57
بقلم: د. عبد القادر بن يحيى (ناقد وأكاديمي جزائري)

تشكل رواية «سمسق» للكاتبة فاتن ديركي نصاً سردياً يتجاوز الإطار التقليدي لأدب الحرب، ليطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً حول معنى الانتماء، والعدالة، والذنب الفردي في سياق الصراع الجماعي.

لا تتعامل ديركي مع الحرب بوصفها خلفية للأحداث، بل تجعلها مختبراً إنسانياً تُختبر فيه العلاقات والذاكرة والهوية. وتبلغ الرواية ذروتها الدرامية في مشهد اعتراف “نوار” بقتله صديقه “عامر”، في لحظة يتقاطع فيها الواجب العسكري مع الرابطة الإنسانية، فينكشف التصدع الداخلي للشخصية.

أولاً: البعد الإنساني للحرب

تميزت الكاتبة بقدرتها على تفكيك الحدث الحربي إلى طبقات شعورية. فالقتل في «سمسق» ليس فعلًا جسدياً فحسب، بل حدث وجودي يهز كيان الفاعل نفسه، يجعله يعيش في صراع داخلي كبير وشعور بالذنب كونه يحارب بحكم وجوده الالزامي في الخندق ضد أهله وأبناء جلدته في الوقت الذي يشعر فيه أنه يجب أن يكون معهم؛ مع ثورة الأحرار كالتزام أخلاقي عادل. هنا يتساءل نوار:

“حقاً من الذي غدر بالآخر… أنا أم هو؟”

فإن السؤال لا يُطرح بوصفه حواراً بين شخصيتين، بل بوصفه مساءلة للضمير الجمعي.

هنا تنجح الرواية في نقل الصراع من ميدان المعركة إلى ميدان الوعي، وهو انتقال دلالي يمنح النص عمقه الفلسفي.

ثانياً: تقنية السرد وبناء الشخصية

تعتمد ديركي على السرد الاعترافي الذي يسمح بتصاعد التوتر النفسي تدريجياً. تبدأ المشاهد بلغة هادئة، تكاد تكون حميمة، ثم تتكاثف تدريجياً حتى تبلغ ذروتها في لحظة الكشف. هذا التدرج يمنح النص صدقيته، ويجنب الكاتبة الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

شخصية “نوار” ليست بطلاً تقليدياً، بل كائناً مهزوزاً بين صورتين: صورة الجندي المنتصر، وصورة الصديق الذي خان ذاكرته. هذه الازدواجية هي ما يمنح الرواية طاقتها الدرامية.

ثالثاً: أخلاقيات الثورة والانقسام

تطرح «سمسق» سؤالاً بالغ الحساسية: ماذا يحدث حين يتحول الوطن إلى خندقين؟

لا تجيب الكاتبة بإدانة مباشرة، بل تترك القارئ في منطقة رمادية، حيث يصبح الانتصار ذاته موضع شك. عبارة:

“لن أُحاسب على جريمتي هذه بل إنني سأُكافأ وأتقلد أوسمة الشرف”

تكشف المفارقة الكبرى بين العدالة القانونية والعدالة الأخلاقية.

وهنا تتجلى الخلفية القانونية للكاتبة، إذ يبدو واضحاً وعيها بالفارق بين النص والضمير، بين الحكم والعذاب الداخلي.

رابعاً: البنية الرمزية

الرواية في مجملها تُقرأ كرمز لانقسام أوسع؛ فالصديق الذي يُقتل ليس فرداً فقط، بل صورة لذاكرة مشتركة تتهاوى تحت ضغط الأيديولوجيا والسلاح.

الابتسامة التي يرسمها “عامر” وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تمثل ذروة المأساة: إنها ابتسامة تذكير، لا اتهام.

خاتمة

تمكنت فاتن ديركي في «سمسق» من تقديم عمل سردي يزاوج بين الحس الإنساني العميق والبناء الدرامي المتماسك. إنها رواية لا تبحث عن إثارة آنية، بل عن أثر طويل المدى في وعي القارئ.

«سمسق» ليست رواية حرب بقدر ما هي رواية ضمير.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني