في موجّبات وآليات توفير شروط حوار وطني ونشاط سياسي فعّال
مع كامل احترامنا وتقديرنا لما بذلته جهات حكومية وأهلية من جهود متعددة المستويات لتوفير شروط حياة استقرار وحماية السلم الأهلي في طرطوس وعلى صعيد الساحل السوري، وحاولت طيلة أشهر مواجهة نتائج سياسات كارثية لحكم سلطتي النظام البائد وما يظهر من تحدّيات عواقب سقوط سلطة الأسد، وإدراكنا بواجب المشاركة في ورشة الحوار الوطني والنشاط السياسي، الساعية جهودها لتعزيز الإيجابيات وتجاوز السلبيات، نحاول تقديم دراسة نقدية لتجربة المرحلة الماضية التي كانت نتائج فشلها مؤلمة، ودفع الجميع ثمن الفشل غاليا.
مما لا شكّ فيه أنّه من مصلحة سوريا الجديدة والسوريين الوطنية المشتركة، قراءة المرحلة بموضوعية واستخلاص الدروس، والبناء من جديد، بما يخدم مصالح العلويين الخاصة ويصب في خدمة تمكين شروط السلم الأهلي، وحماية مقوّمات الأمن القومي السوري…. على أمل سماع ما نعتقد أنّه صوت وطني سوري لم يأخذ حتى الآن فرصة المساهمة الفعّالة في قيامة سوريا الجديدة.
أوّلاً: في معايير الحوار الوطني الناجح
نعتقد أنّ الاستراتيجية الوطنية لجهود الحوار الوطني ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أهم المعايير والوقائع التالية:
1- إذا كان من الواقعية الاعتراف بأنّه في نتائج سياسات تجيير وتحشيد طائفية انتهجتها سلطتي النظام البائد طيلة عقود كوسيلة للحكم، وضعت العلويين في مواجهة أكثرية الشعب السوري، وأنّه من الطبيعي بالتالي أن يكون “العلويون” المتضرر الأكبر على الصعيد المادّي والمعنوي في عواقب المتغيرات النوعية التي تلت إسقاط سلطة الأسد[1]، بما يجعل من تحريضهم وتجييشهم ضد مشروع سلطة التحرير هدفا رئيسيا في وسائل الحرب الشاملة التي تخوضها قوى مشروع التقسيم المضادة، يصبح من موجّبات نجاح الحوار الوطني إدراك حقائق أنّ أهدف وأدوات قيام حوار وطني فعّال وحقيقي يجب أن تستهدف العلويين، وتبحث بموضوعية في أسباب المأزق التاريخي والراهن، وتسعى لمعالجتها في إطار استراتيجية وطنية، تؤكّد وتركّز جهودها على توفير الشروط الوطنية، النخبوية والأمنية والإنسانية والاقتصادية والقانونية، لتطمين الرأي العام لغالبية أبناء الطائفة العلوية، وسحب البساط من تحت أقدام القوى المعادية التي تعمل على تحويلهم إلى ألغام ووقود معارك ورأس حربة.
2- إنّ مواجهة تحدّيات السلم الأهلي المرتبطة بقضايا الطائفية العلوية لا تخرج عن سياق وإجراءات مواجهة التحدّيات الناتجة عن جهود قوى مشروع التقسيم، الساعية لاستخدام مخاوف ومظالم العلويين في وسائل مواجهة وتفشيل سياسات وجهود السلطة الجديدة!
تؤكّد موضوعية هذا الترابط وقائع ما وضعته قيادات مشروع التقسيم السورية والخارجية من خطط، وما مارسته من خطوات وإجراءات لتجيير “الطائفة الأسدية” ومخاوف العلويين المزمنة التي تفاقمت في عواقب إسقاط سلطة الأسد، وبدأت تشكّل منذ مطلع شباط على صعيد الرأي العام العلوي موقفاً طائفيّاً معادياً للسلطة الجديدة، أخذ مع تزايد حجم العنف الطائفي والتحريض السياسي والتجييش الطائفي “السلطوي” المضاد، يتحوّل إلى نزعات انفصالية، ساعدت بعض بقايا شبيحة الأسد السياسية والدينية لطرح نفسها كممثّل للطائفة، وشجّعها على المطالبة بالتدخّل الدولي وإقامة كانتون لامركزي “علوي” في الساحل السوري – وكل ذلك يتكامل مع جهود قسد، ويصبّ في تعزيز شروط تحقيق أجنداتها الانفصالية!
3- إنّ العلويين جزء أصيل من الشعب السوري، تتقاطع وتتشارك مصالحهم مع مصالح السوريين الوطنية في الحفاظ على مقوّمات الدولة السورية الموحّدة التي تبلورت بعد الاستقلال السياسي.
4- كان غالبية أبناء الطائفة، على غرار جميع السوريين وعلى جميع الصعد والمستويات، ضحايا سياسات شبكة السيطرة الأسدية الإيرانية اللاوطنية قبل 2011، وبعدها، خاصة عندما وضعت سياسات السلطة المجرمة الطائفة بكاملها في مواجهة تطلّعات السوريين الوطنية المشتركة، وحوّلت أعداداً كبيرة من شبابهم إلى ضحايا، أو أدوات قتل وتشبيح وتمزيق للنسيج الوطني السوري، وكان القاتل والقتيل ضحايا عقلية إجرامية سلطوية لا وطنية واحدة[2].
4- رغم الآلام الحاضرة بالمجتمع السوري بجميع أطيافه، العلويون اليوم يملكون فرصة تاريخية كغيرهم ليكونوا أحراراً من مظلّات وقيادات لا تشبههم، وليكونوا فاعلين ضمن مشروع وطني جامع غير مؤسَّس بشكل طائفي أو “مكوّناتي”، “فقد أصبحوا اليوم دون وهم السّلطة لدى بعضهم ودون رقيب على سلوكياتهم اليومية كما كانت تفعل أجهزة الاستخبارات، ودون مرجعية دينيّة، ويملكون رصيداً ثقافيّاً سواء من حيث المؤهلّات الدّراسية أو التّراثية ليصبحوا رافداً في الجسد السّوري ويداووا جراح بعضهم وجراح أخوتهم السوريين، وليخرجوا من ميدان الحصر الطائفي لميدان أرحب هو العمل السياسي المؤسس لهويّة وطنية جديدة بعيداً عن مشاريع التّقسيم أو المشاريع والرؤى الصهيونية التي يتم تسويقها باسم الأقليّات”.
6- إنّ أبرز نتائج سياسات السلطة الاستبدادية الأسدية التدمرية ضد العلويين قبل سقوط سلطة الأسد تمثّلت بـ:
“منع تأسيس مرجعية دينية، لتبقى بذلك رهينة للمرجعية السلطوية عبر وعيها العام” وبمنع قيام مرجعية سياسية وطنية، نتيجة لسياسات ممنهجة، عملت على اعتقال وتضييق الحياة على كل صوت معارض”،… وكان “خوف النظام من أبناء الطائفة مضاعفاً لأنّ استقلال العلويين عن الوعي المُراد تسويقه سوف يجعل النّظام عرضة للانهيار وخسران الشّعبية خصوصاً بعد ثمانينيات القرن الماضي.
7- في ظلّ حال التّفكّك والشعور بالخطر والعزلة التي وجدت فيها الطائفة نفسها بعد سقوط سلطة النظام البائد[3]. في الواقع، طفى على السطح نوعان من التمثيل: نخب سياسية وثقافية ومعارضات سابقة، وفلول شبيحة الأسد السياسية والثقافية والدينية، وقد لاحظنا اتخاذ الجميع موقفا معاديا من السلطة وتخندقهم في صفوف مشروع التقسيم، وكانت المفارقة وقوف نخب المعارضات السياسية والثقافية اليسارية في انحيازها لقوى مشروع التقسيم في نفس صف شبيحة سلطة الأسد الدينية!
ثانياً: في تقييم النتائج الواقعية:
إنّ التقييم الموضعي لنتائج الجهد يعتمد على طبيعة النتائج الواقعية، ويطرح التساؤل المشروع: إلى أيّة درجة نجحت جهود الحوار الوطني المبذولة، والإجراءات المُتّخذة في “تطبيع” العلاقات بين العلويين وبين السلطة الجديدة وجمهورها الإسلامي، وبالتالي تعزيز شروط السلم الأهلي؟[4].
نعتقد أنّه في مقدّمة أسباب الفشل الرئيسية يأتي عدم إدراك الجهات المختصة لطبيعة التحدّيات المركّبة التي يواجهها العلويون، سواء في عواقب إسقاط سلطة الأسد أو في نتائج جهود قوى التقسيم لتحويلهم إلى رأس حربة لتفشيل سياسات السلطة الانتقالية وتأسيس “كانتون علوي”[5].
نعتقد أنّ تجاهل هذا العامل الرئيسي في أسباب ومجريات الصراع على الساحل يفسّر خيبات أمل وفشل جهود متعددة المستويات:
في سياسات السلطة الجديدة تجاه العلويين بشكل عام، والمجموعات المسلّحة المتمّردة، بشكل خاص، تبدو واضحة مخاطر عدم إدراك وقائع خروج الأسد شخصياً، وعائلته وسلطته، من المشهد السياسي السوري وإلى الأبد، عندما وافق على تفكيك جيشه، ومغادرة البلاد، وكان عنده خَيارات أخرى لو كان يعتقد بإمكانية البقاء داخل خارطة السيطرة على سوريا، أقلّها إمكانية الحفاظ على “إقليم أسدي” في الساحل السوري!!…أمّا ما تبقّى من فلول الشبيحة الأسدية، المدنية والعسكرية والدينية، فقد باتوا بعض أدوات، وتحت سقف مشروع التقسيم الذي تقوده قسد، شريك الأسد الرئيسي في مشروع التقسيم بين 2012-2024، وتدعمه بشكل مباشر، في المرحلة الجديدة من الصراع، حكومة الحرب الإسرائيلية والنظام الإيراني لأهداف ودوافع تكتيكية.
بناء عليه، ندرك نتائج توصيف المجموعات المسلّحة التي تنفّذ هجمات منظّمة ضد عناصر الأمن العام منذ مطلع شباط بـ “فلول الأسد”!!
فلا يعزز هذا التوصيف الغير واقعي أوهام الرأي العام العلوي بإمكانية عودة “الأسد”، ويساهم في تحشيده ضد السلطة فحسب، بل ويربط نشاط المجموعات المسلّحة المعادي للسلطة الجديدة بالطائفة العلوية، ويحمّل العلويين عواقب هجماتها الإرهابية، فيحشّد رأيا عاماً سنّياً معادياً، ويضع العلويين مرّة ثانية في خانة الاتهام، ويحمّلهم وزر أفعال الطائفة الأسدية بعد أن تجاوزوا مخاطر الانتقام في عواقب التحرير بفضل حكمة رئيس غرفة العمليات العسكرية أحمد الشرع، الذي أكّد على ضرورات الرحمة والتسامح، ورفض منطق الثأر!!
ب- عدم إدراك وتوعية الرأي العام بوقائع أنّ الهجمات المسلّحة التي شنّتها “فلول الأسد” على قوات الأمن الحكومية ومواقع مدنية وعسكرية بعد ظهر يوم السادس من آذار في مدن وبلدات ساحلية لم تخرج عن سياقات الصراع الرئيسي على سوريا بين حكومة دمشق الشرعية وسلطة “قسد” الساعية لتعميم نموذجها الانفصالي سوريّا، وأنّها أتت في إطار هجمات منظّمة ومنسّقة تقودها قسد مباشرة عبر لعشرات من كبار ضباط حيش الأسد المنحلّ، المقيمين في ضيافتها، وتحت حمايتها، من أجل فصل الساحل عن الجسد السوري، وأنّ العلويين لم يكونوا طرفاً مباشراً فيها، وقد وضعت المدنيين العلويين بين مطرقة العناصر الإرهابية “القسدية” المهاجمة وسندان الإسلاميين المتطرّفين الذين شاركوا أو قادوا الهجوم الحكومي المضاد، وقد ارتُكبت جرائم طائفية ضد المدنيين العلويين والسنّة خلال تنفيذ معارك الهجوم، وتحوّلت إلى مجازر مروّعة خلال الهجوم الحكومي المضاد لاستعادة السيطرة، وكان معظم الضحايا من المدنيين الذين قُتلوا بعد أن سُئلوا عما إذا كانوا علويين، بما يؤشرّ إلى وجود أجندات ونوايا واضحة لتأجيج الشكل الطائفي للصراع وتحميل الحكومة المسؤولية!!
في حيثيات شروط معارك آذار السوداء وما تخللها من مجازر، وما سادها من خطاب تحريض طائفي، غيّب طبيعة الصراع السياسي الرئيسي، والدور القسدي في الوقوف خلف العناصر المهاجمة، كان من الطبيعي أن تصب نتائجها السياسية والإعلامية في خدمة أجندات قسد وأذرعها الطائفية العلوية، والقوى الطائفية في قواعد وجمهور السلطة وفصائل غرفة العمليات العسكرية، على حساب مصالح القيادة السياسية وجهودها لتعزيز شروط السلم الأهلي وتثبيت سلطتها داخليا وخارجيا، ومصالح السوريين الوطنية المشتركة في تعزيز شروط الوفاق والسلم الأهلي…وقد كانت عواقب وخيمة، كان يمكن تفادي جروحها الطائفية، السياسية والأهلية، في إدارة مختلفة لطبيعة الصراع وأدواته، وتركيز الخطاب الإعلامي والسياسي الحكومي على كشف خيوط شبكة الحرب القسدية وعلى حقيقة أنّ كلّ خطاب يحمّل “الطائفة” العلوية وزر الجرائم التي يرتكبها فلول مشروع التقسيم “الطائفي القسدي” يفاقم الشكل الطائفي للصراع ويضع السوريين في خنادق طائفية متصارعة، ويصب في خدمة مشروع قوى التقسيم والقوى الطائفية المتطرفة، ويتعارض مع أهداف وسياسات وأدوات بناء مؤسسات الدولة، ومع مصالح السوريين المشتركة!
ت- في نفس السياق، كشفت إجراءات وأنشطة الحوارات التي عملت عليها الجهات المختصة في المحافظة منذ منتصف ديسمبر، وحتى اليوم، مرورا بالتحضير لمؤتمر الحوار الوطني في دمشق في 26 فبراير، عدم القدرة على بلورة نخب سياسية وثقافية ومرجعية دينية، وطنية علوية، تكون عوناً حقيقياً، ورافعة لجهود تعزيز شروط السلم الأهلي والأمن القومي السوري، وقد كان إشراك والاعتماد على نخب طائفية وانفصالية، ارتبطت بأشكال مختلفة بشبكة سيطرة سلطة الأسد الساقطة، وبأدوات مشروع التقسيم المسديّة، تأثيرات سلبية واضحة، شكّلت عقبات أمام جهود تشكيل رؤية وطنية لمعالجة القضايا الرئيسية، ومنعت تحقيق أهداف استراتيجية وطنية شاملة!
ث- وليس خارج السياق، عدم تقدير أهميّة كشف هوية القتلة المأجورين والطائفيين، وكشف هويات أبواق التحريض وخيوط شبكة جرائم القتل والخطف المرتبطة بشبكة عمليات قوى التقسيم أو غيرها، وأنّ كلّ فشل يزيد من تشكيك أبناء الطائفة بأنّ الحكومة تحرص على ردع الجناة ومحاسبتهم، ويطرح تساؤلات عميقة عما إذا كانت منطقتهم ستُرحب بها ضمن سوريا، أم ستُعتبر طرفًا غير موالٍ، وهو ما يصب في خدمة دعايات التحريض السياسي والتجييش الطائفي الذي تمارسه ابواق مشروع التقسيم والتي سعت لإقناع الرأي العام العلوي أنّهم مُستهدفين لأسباب طائفية، وضرورات الحماية الدولية.
ثالثاً: استنتاجات وتوصيات!
في ضوء ما تحقق حتى الآن من إيجابيات لتحسين علاقات الحوار والتواصل، وما لم ينجز وفقاً لهموم العلويين وتطلّعاتهم الخاصة، نعتقد أنّه للقضية جانبان، يحمّلان السلطة والنخب الوطنية مسؤولية مشتركة:
وضع استراتيجية وطنية تجاه العلويين، تعمل على مسارين مترابطين جدلياً:
مساعدة العلويين على بلورة نخب وطنية عبر تحييد المؤيدين لمشروع التقسيم، وفي سياق جهود حكومية منظّمة، تسعى لإيجاد حلول حقيقية لأسباب ونتائج ما حصل من افتراق بين سياسات السلطة ومصالح العلويين.
فهل فكّرتم على سبيل المثال في طبيعة نتائج:
– تخفيف توجيه الإهانات على الحواجز.
– إعادة العسكريين وقوى الأمن الداخلي والدفاع المدني إلى مؤسساتهم.
– البدء بصرف رواتب العسكريين والشرطة ومن في حكمهم متقاعدين وغير متقاعدين.
– تبييض السجون من أبناء الساحل الذين لا تهمة لهم الا أنهم من أبناء هذا الساحل المنكوب.
– إعادة الموظفين إلى عملهم.
– وجود مؤسسات في الساحل لا يتزعمها شيخ أو شخص مجهول باسم حركي.
– وضع حد لتعديات البدو ومواشيهم على مزروعات وأملاك أهل الساحل واستفزازات الرعاة؟.
تساؤلات عديدة برسم الجهات الحكومية المسؤولة، ترتبط بجوهر القضايا التي تهدّد السلم الأهلي، وتحتاج إلى إجابات عملية ورادعة، ولا يبدو لنا من خلال النتائج أنّها تشغل الحد الأدنى من اهتمام أو وقت وجهد المشاركين في مسائل الحوارات، وما زال المتضررين على الصعيد الشخصي والعام يتطلّعون لجهودكم الكريمة لتقديم حلول واقعية، وهم على قناعة مبدئية أنّ ترسيخ عمل ونهج مؤسسات دولة العدالة والقانون هو الأمل الوحيد لتجاوز جميع الشروط الراهنة التي تهدد السلم الأهلي.
نرجو أن تفعل السلطات المختصة كلّ ما من شأنه أن يوفّر شروط استقرار دائم. وأنّ تسمع الأصوات الوطنية الصادقة، وتبتعد عن الباحثين عن فرص ووجاهات، وعن أدوات وفلول مشروع التقسيم.
والله ولي التوفيق.
[1]– … وتركت عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين دون مصدر رزق، وتحت شبح الاعتقال أو السجن أو حتى القتل في ظل غياب شروط وقوانين وإجراءات واضحة للعدالة الانتقالية وسيطرة لغة ومنطق “الانتقام” عند بعض الفئات الطائفية في قواعد وجمهور فصائل “غرفة العمليات العسكرية”، رغم تأكيد خطاب القيادة السياسية على العكس، وقد فاقمت أحداث العنف اللاحقة في مجريات معارك السيطرة على الساحل مخاوف ترتبط بأمن الطائفة ومستقبل أبنائها، حوّلتها أبواق التجييش الطائفي والتحريض السياسي المرتبطة بقوى مشروع التقسيم إلى مادّة إعلامية، نجحت في اقناع الرأي العام العلوي أنّ العلويين مُستهدفون لدوافع وأسباب طائفية، ووضعت غالبية أبناء الطائف في مواجهة مشروع إعادة توحيد وبناء الدولة الجديدة.
[2]– هل فعلاً كان غالبية العلويين ضحايا؟
لنعد قليلا إلى التاريخ، ونقرأ بعض وقائع سياسات السلطة الأسدية القاتلة تجاه العلويين؟
“بعد أن سيطر النّظام البائد على جلّ الحياة السّياسيّة والمجتمعية، كان للطائفة العلويّة حساب آخر..
بعد أن خرجت هذه الطّائفة من حالة الانعزال بدايات القرن العشرين وشهدت حالات قيّمة لنفض غبار العزلة.. قام نظام الأسد باستغلالها بشكل مباشر عبر حاجته لخزّان بشري مأمون الجانب كما يقال وذلك عبر إيهامها بخطر الآخر وتعميق حالة الانعزال والوهم الأيديولوجي، وضرب البيوتات الكريمة ضمن الطائفة، ومنع التنمية الاقتصادية بمناطقهم، واستغلال حالة الفقر لجرّ الشباب للمؤسسة العسكرية والأمنية.. ومنع تأسيس مرجعية دينية، لتبق بذلك رهينة للمرجعية السلطوية في وعيها العام.. وعبر رجال دين ممتهنين للسلطة..”
“بينما كان الركب يسير باتجاه طلب العلم والكد والتحصيل العلمي العالي والتسامي بالأخلاق والصدق والأمانة كسبيل للخلاص من الفقر المدقع والضائقة المادية الخانقة والحصار الاجتماعي والرفض المجتمعي، كانت التكويعة القاتلة التي احدثها الأسد الأب عند مفترق طرق خطير باتجاه الجيش والأمن وكتّاب التقارير الحزبية الكيدية.. وشجعهم على الانتهازية والوصولية وقدم حميرهم على غزلانهم وجعل في الواجهة حرامية الدجاج بدل أبناء الأصول فأصاب منهم مقتلاً ثم أتت الضربة التي قصمت ظهر هذه الطائفة على يد الغدّار الأول والأقذر الأخ الأصغر(رئيس رابطة خريجي الدراسات العليا) وهو لا يعرف كيف يكتب اسمه، سحبهم باتجاه سراياه بعد أن جرهم بالإكراه والإغراء عن مقاعد المدرسة كي يكونوا عبيدا لمشيئته ورغباته الدنيئة وأدوات لإجرامه ونهبة والأخطر أن ثمن الشهادة لا يتعدى وضع مسدس ماكاروف على خصر أزلامه وشراء المراكز الامتحانات وتسريب مفضوح للأسئلة لأبناء الذوات واللصوص والقتلة ناهيك بالعلامات السياسية التي يعرفها الجميع.. حتى أصبحت ظاهرة حملة الدكتوراه الأميين تملأ مقاعد الأساتذة في الجامعات والمناصب المتقدمة بالدولة فصنع أجيالاً وصولية انتهازية منافقة شبه جاهلة.
الآن الفرصة سانحة لتصحيح مسار هذه الطائفة وإعادة شق طريقها بالاتجاه الصحيح متسلحين كما في بدايات نهضتهم الاولى بالعلم والأخلاق والصدق والأمانة والتفاني في العمل والوصول بلدهم واجتهادهم.”
[3]– لقد نجحت وسائل مشروع قسد ومسد الانفصالي السياسية والثقافية والإعلامية وأدواتها النخبوية التابعة، في تحويل مجتمعات كردية وعلوية ودرزية إلى “مكوّنات” متباينة، تدّعي أنّ لكلّ منها حقوقه السياسية الخاصة، وتسوق لأكاذيب حرصها على حمايتها، في مواجهة سياسات سلطة إقصائية، جهادية، ودعمها “لحقوقها في تقرير المصير”، من خلال إقامة كيان سياسي مستقل، في إطار ما تدّعي أنه دولة “لامركزية”!
مفهوم “المكوّنات السياسية” الطائفية والعرقية هو نتاج لثقافة ووعي التقسيم وتكريس مرتكزاته، وهي المادّة الإعلامية الرئيسية في أجندات قسد وأذرعها الانفصالية، وهي تلفيقات سياسية وأيدولوجية تتناقض مع الوقائع:
يتضمّن الشعب السوري الذي تبلورت هويته السياسية الموحّدة والواحدة حتى ربيع 2011 مجتمعات كردية وعلوية ودرزية ومسيحية وسنية، والكل جزء أصيل من الشعب السوري، ومشروعه السياسي واحد، هو الحفاظ على الكيان الجيوسياسي السوري، وقد امتزجت دماء جميع السوريين في الدفاع عن التراب الوطني السوري في معارك وحروب تاريخية ضد العدو الإسرائيلي..
[4]– حوارات ونقاشات متعددة المستويات، يُيسّرها ويشارك في أنشطتها القائمون على حكم المحافظة ومراكز بحوث مختصة تُعنى بقضايا الحوار الوطني، تحاول على الصعيد النظري تناول القضايا ذات التأثير المباشر على شروط السلم الأهلي.
إذا كنا كمواطنين نقدّر عاليا هذه الجهود، نعتقد أنّه من حقنا أن نطالب بإجراءات عملية ونلمس نتائج واقعية، تخفف من أسباب الاحتقان الطائفي داخل مجتمعات المحافظة، وتكشف طبيعة شبكة المخاطر الأمنية التي تهدد حياة المواطنين وتعيق جهود الحصول على أسباب ووسائل حياة كريمة.
تساؤلات برسم الجميع، المشرفين والمشاركين:
أ-ماذا تقول حواراتكم حول السلم الأهلي لهؤلاء الأعداد الكبيرة من عناصر وضباط الجيش المنحل الذين عملوا تسويات وفقا لتعليمات السلطات الجديدة، ومازالوا ينتظرون الحصول على هوياتهم المدنية للخروج من حالة “الإقامة الجبرية” التي يخضعون لها داخل منازلهم، وهم بأمسّ الحاجة لإيجاد فرص عمل، ووسائل معيشة بعد قطع مصادر رزقهم؟ هل تتخيّلون حجم مخاوف رب الأسرة. والضائقة الاقتصادية التي تعيشها آلاف العائلات؟
هل تتخيّلون سهولة أن يقع البعض ضحايا شبكات التجييش والتحريض الطائفي الممنهج ضد مؤسسات الدولة؟
في نفس الإطار، ماذا عن رواتب العسكريين المتقاعدين بعد نيسان 2011،علما أنها أموال مقتطعة من رواتبهم أثناء الخدمة، وأنّ الغالبية لم تشارك في أية أعمال عسكرية وكانوا في أواخر حياتهم المهنية في مراحل الحرب الأولى؟
ب- ماهي النتائج الواقعية والخطوات العملية الملموسة التي نتجت عن حواراتكم لتعقّب وكشف أدوات ووسائل التضليل السياسي والتجييش الطائفي التي تمارسها طيلة أشهر أبواق معروفة المرجعية السياسية وطبيعة أهداف المشروع السياسي المعادي الذي تعمل عليه، ونجحت عبر استخدام أحداث واقعية أو التلفيق وتزوير الحقائق في تجييش رأي عام علوي معاد للسلطة، ويقتنع بأنّ مؤسساتها تستهدفه لأسباب ودوافع طائفية…. وباتوا يؤيدون ما يتعارض مع شروط السلم الأهلي والأمن القومي السوري، كإجراءات التدخّل الدولي ومشاريع التقسيم؟ هل وضعتم خططا لكشف خيوط تلك الشبكات وفضح مخاطر ما تقوم به على السلم الأهلي، خاصة وأنّ بعض المدعوين يشارك فعليا في الفبركة والتحريض لدولفع سياسية مناهضة لسياسات الدولة، وأن معظم المشاركين من الواجهات الاجتماعية والنخبوية لايعرفون ما يكفي عن طبيعة هذه المخاطر، وكيفيّة مواجهتها؟
ت- ماذا فعلتم لتعقّب وكشف خيوط شبكات الخطف التي تستهدف بشكل خاص نساء وفتيات من الطائفة العلوية، وتستخدم هذه الوسيلة البالغة الخطورة لاتهام عناصر مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وتحريض الرأي العام العلوي، وتجييش شبابه ضد السلطة الجديدة؟ هل تجاهلتم طبيعة المخاطر وآليات المواجهة الفعّالة؟
ث-ماذا فعلتم لإطلاع الرأي العام على نتائج التحقيق التي تجريها الجهات المعنية لكشف حقيقة أسباب ودافع وحيثيات عمليات القتل التي يذهب ضحيتها مواطنون من الطائفة العلوية، وتشكّل الأكاذيب التي تروّج لتفسير أسبابها مادة تحريضية ضد السلطة، وتجيّش رأيا عاما علويا طائفيا؟
[5]– لقد قدّمتُ دراسة شاملة حول طبيعة الصراع على سوريا في حقبة ما بعد سقوط شبكة السيطرة الإيرانية الأسدية، وأوضحتُ أنّ معاركه تأخذ مسارين:
أ- الصراع على شكل النظام السياسي، بين تيار إسلامي وطني سوري، يمثّله الرئيس والحكومة الانتقالية، في مواجهة قوى وشخصيات وتيّارات إسلامية طائفية ومتطرّفة، تجد في تقدّم مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية خطرا على وجود واستمرار ما حققته من مكاسب خلال مراحل الصراع على سوريا، خاصة في مسارات مشروع تقسيم سوريا السابق بعد 2015.
ب- الصراع على مصير الكيان الجيوسياسي السوري بين سلطتي دمشق الشرعية و”قامشلو”، بقيّة مشروع التقسيم السابق.
لقد أطلقت قسد (بالتنسيق مع جهات إسرائيلية، وبدعم من الحكومة الفرنسية والمرجعية الكردستانية الإقليمية، وغطاء من الأحزاب والتيارات القومية الكردستانية “السورية”، وأدوتها “الديمقراطية السورية” في “مسد” واستخدام بقايا شبيحة فلول الأسد المدنية والعسكرية والطائفية،) استراتيجية مشروع متكامل لتفشيل مسارات العملية السياسية الانتقالية عبر العمل على فصل الساحل والسويداء تحت يافطات اللامركزية السياسية وشعارات حماية حقوق المكوّنات السياسية والطائفية.
في نفس السياق، أوضحتُ أيضا طبيعة التخادم بين “صقور” قسد وصقور الإسلام السياسي الطائفي، السني والعلوي: كلما نجحت قسد في خلق تمرّدات ضد السلطة الجديدة، وهددت سيطرتها، كلما أعطت فرص جديدة للمتطرفين، تساعدهم على تعزيز مواقعهم داخل السلطة (وعلى الطائفة)، وفي قواعدها الشعبية والاجتماعية بما يعرقل جهود وخطوات تقدّم مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية، وبما يزيد من أسباب تهديد السلم الأهلي والأمن القومي السوري، وهذا ما يحصل منذ منتصف يناير..