في معايير التفكير الوطني

0

من مصلحتنا وواجبنا كنخب وطنية أن نقرأ المشهد السياسي السوري الراهن بكل موضوعية، ونصل إلى الاستنتاجات الواقعية:

المُتابع الموضوعي لتطوّرات المشهد الميداني خلال الأسبوع الماضي، ماذا يجد؟

1- استمرار الهجمات والاعتداءات الإسرائيلية، خاصة التوغّل داخل مناطق الجنوب!

لا غرابة في هذا السلوك الإرهابي الإجرامي لحكومة القاتل نتنياهو، عندما أقدّم “جيش دفاعه” على الانتقام من المدنيين في بيت جن بعد ما تعرّض له جنود عصابات جيشه وضباطه من خسائر كبيرة، وهزيمة مذلّة على ايدي أبناء البلدة الابطال، وهي نفس سياسات الإجرام التي يمارسها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة طيلة عقود، خاصة في أعقاب هجوم طوفان الأقصى.

سياسات نتنياهو “الثأرية” الإجرامية لم تقتصر على المدنيين، وقد استغلّ “جيش دفاعه” الحاقد قبل حوالي العام ظروف تفكيك جيش الأسد للانتقام من الآلة العسكرية التي شكّلت سلاح وقواعد الجيش السوري!

هذا العدو القاتل لا يفهّم إلّا بلغة القوّة، وهي التي لاتنحصر بالاستعداد العسكري، والمقاومة المسلّحة. مواجهة أطماع دولة الكيان الغاصب، وتوفير المقوّمات الوطنية للمواجهة والتحرير، يتطلّب بناء مقوّمات مشروع وطني سوري، يوجّب بالضرورة إعادة توحيد سوريا واستقرارها، ولأنّ حكومة الكيان تدرك ترابط أطراف معادلة التحرير، تعمل جاهدة على منع سلطة النظام الجديد الثورية من السير على طرق ومسارات بناء المشروع الوطني، من خلال دعم قوى ونزعات التقسيم القسدية والطائفية. قد لايدرك الرأي العام السوري حقيقة أن جوهر موقف حكومة العدو الإسرائيلية المعادي للسلطة الجديدة يقوم على خشيتها من نجاحها بفضل دعم شعبي واسع، وما تحوذه من شرعية شعبية، في كسر المعادلة اللاوطنية التي أقامتها مع سلطة الأسدين الساقطة منذ 1967، عندما كان الأسد الأب وزيراً للدفاع:

اقتطاع جزء من التراب الوطني السوري، وتوفير شروط التنازل عنه داخلياً، عبر بناء سلطة استبدادية، تفتقد إلى الشرعية الشعبية، تعمل على تفشيل مقوّمات الدولة الوطنية السورية، وعلى حماية وحراسة منظومة التفشيل التي تمكّن دولة الاحتلال من ديمومة احتلالها الغاصب!!

الذي يفسّر سبب جنون سياسات نتنياهو تجاه السلطة الجديدة هو خشيته من طبيعة المآلات الوطنية للعملية السياسية الجارية، ومن نجاحها على المدى المتوسّط والبعيد في بناء مقوّمات مشروع وطني سوري، الطريق الوطني الوحيد الذي يوفّر شروط مقاومة حقيقية للاحتلال، والقدرة على فرض شروط التسوية السياسية التي تستعيد الحقوق والكرامة.

2- أحداث ذات صبغة ودلالات طائفية في حمص، يستغلّها أصحاب مشروع التقسيم التي تتمثّل في الساحل السوري بـ “مرجعيات طائفية سياسية”، تتقاطع أجنداتها حول هدف إقامة كيان جيوسياسي مستقل، وتعمل على تجييش العلويين طائفياً وسياسياً ليكونوا أداة مشروعها، وهي تتقاطع في الهدف والأداة مع قيادة مشروع التقسيم في “إقليم شمال وشرق سوريا” القسدي، ومع سياسات حكومة العدو، الساعية لحرمان السلطة الجديدة من عوامل إقامة مشروع وطني، عبر تفشيل أبرز أهداف مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية – إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة وحصر امتلاك السلاح بيد مؤسسات دولة مركزية موحّدة. إذا تدعو تلك “المرجعيات” إلى اعتصام طائفي، تأمل أن يستجرّ تحشيد شارع طائفي مضاد، ويورّط السوريين في صراعات وحروب طائفية، وتدّخّلات خارجية، تمكّنها من إقامة سلطة انفصالية!!

3- يحصل المتوقًع، في ظل شروط انقسام السوريين التي صنّعتها سياسات سلطتي الأسدين اللاوطنية، وتستجرّ المظاهرات الطائفية الانفصالية ردود أفعال طائفية معاكسة، تصب شعاراتها وسلوكها في خدمة أجندات أصحاب الحراك الانفصالي!

4- تستشعر السلطة السياسية الخطر، فتدعو بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لبدء هجوم ردع العدوان إلى تظاهرات شعبية، رافضة لمشروع قوى الانفصال، وتنادي بالوحدة الوطنية، شعبياً وجغرافياً.

في خضم هذه المواجهات، يظهر دور مؤسسات الدولة السورية الجديدة: عناصر وضباط وقيادات من الأمن الداخلي والجيش والشرطة العسكرية، تتحلّى بروح وطنية وإنسانية عالية، وتشكّل صمام الأمان الوطني الوحيد.

بين شارع طائفي انفصالي، وشارع طائفي مواجه، تقف مؤسسات الدولة الجديدة الأمنية والعسكرية والسياسية، بسلوكها وخطابها الوطني، ومشروعها الجامع، وقد مثّلت كلمات وروح خطاب دعوة الرئيس أحمد الشرع إلى استنهاض الشارع الوطني، وإظهار قوّته، طبيعة السلطة الجديدة وتطلّعات مشروعها:

عبر مشاركته في اجتماعٍ موسّع في اللاذقية، بعد تظاهرات التقسيم، أنّ الساحل السوري يثبت أن الوحدة الوطنية داخل البلاد قوية، وأنّ التنوّع الطائفي إثراء للدولة. وأوضح الشرع أنّه يتفهّم المطالب المحقّة التي طالب فيها الناس في اليومين الماضيين، لافتاً إلى حقيقة أنّ بعضها مسيّس، مؤكّدا أن الساحل السوري لن يكون سلطة قائمة بذاتها، منعزلة عن باقي الدولة، بل سيشكّل ربطاً اقتصادياً قوياً مع دول المنطقة باعتباره يطل على الممرات التجارية العالمية وأكّد أن حكومته تركّز على التنمية الاقتصادية وحماية سوريا داخليا وخارجيا.

“بهذه المناسبة العظيمة، أدعو كامل أطياف الشعب السوري بكلّ فئاته ومكوّناته للنزول إلى الساحات والميادين… وإظهار اللحمة الوطنية… والوحدة الوطنية.. وسلامة التراب الوطني ووحدة أراضيه. عاشت سوريا، حرّة أبية، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، موحّدة قوية عظيمة ومزدهرة بإذن الله.”

وكان قد أوضح في 25 فبراير:

“… إننا في مرحلة بناء إعادة بناء الدولة من جديد مع كل ما لحق بها من خراب ودمار، وأنّ هذه المرحلة ذات خصائص حرجة، ولها ميّزاتٌ تختلف عن حالة دولة ذات نظام مستمر، يعقبه تغيّر الأشخاص، واستمرار النظام…

إنّ وحدة السلاح واحتكاره بيد الدولة ليس رفاهية، بل واجب وفرض“.

في تقديري، لقد أعطت غالبية كبيرة من السوريين في مظاهرات اليوم رأيها القاطع في أخطر تحدّيات المرحلة:

نعم للدولة السورية الموحّدة والقويّة، المستقّرّة سياسياً، والقادرة على حماية أمنها القومي وتوفير جميع شروط الحياة الكريمة.

من حقّ وواجب ومصلحة سوريا والسوريين أن يمارس الذين تتعارض أجنداتهم السياسية مع رؤية ومصالح غالبية الرأي العام السوري، أو آليات عمل مؤسسات وسلطة الدولة السورية الجديدة، نشاطهم السياسي عبر آليات المعارضة التي يُتيحها ويضمنها القانون السوري، وتحت حماية منظومته الدستورية، بما يضع جهود الجميع في إطار بناء المشروع الوطني الجامع.

المشاريع التي تخرج أجنداتها السياسية عن الإرادة الوطنية السورية الجامعة، لا تضع أصحابها في مواجهة مصالح السوريين الوطنية المشتركة، وتعرّض نفسها لمخاطر الإقصاء والتهميش فحسب… بل ولمواجهات عسكرية مباشرة!

في خلاصة القول، يبدو من الواقعية السياسية الاستنتاج أنّه من مصلحة جميع السوريين دعم مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية، التي يقودها الرئيس الشرع، وتشكّل مؤسسات الدولة السورية الجديدة، الأمنية والعسكرية خاصة، حوامل مشروعها الوطني، وأنّ رفض كلّ أشكال التجييش الطائفي و أجندات مشروع التقسيم التي تتقاطع مع سياسات حكومة الكيان الإسرائيلي يشكّل أبرز معايير الوطنية السورية؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني