
في حارة صغيرة من مخيم اليرموك، كان بيت خالتي فيروز دائماً مفتوحاً، تفوح منه رائحة القهوة وصوت ضحكتها التي كانت تشبه نغمة عصفور صباحي. كانت تعرف أن الدنيا قاسية، لكنها كانت تواجهها بابتسامة وقطعة حلوى تقدّمها لكل زائر.
كان بيت خالتي فيروز
مليء بالحب والحنان والدفئ والعطاء.
لكن في يومٍ أسود، جاء الخبر…
محمد، ابنها الأوسط، الشاب الذي كانت تقول عنه “شبيه أبوه” بالنخوة والمروة استشهد في الحرب.
حيث قنص على باب المخيم عندما كان يحاول ان يأمن ربطة خبز لعائلته
يومها، لم تصرخ فيروز، ولم تقع على الأرض، بل جلست على الكرسي الخشبي القديم، ضمّت صورته إلى صدرها، وقالت بصوت مبحوح:
“الله يرضى عليك يا ابني، كنت جبل، ورحت مثل الجبل…”
مرت الأيام، وجرح محمد لم يلتئم، حتى جاء الجرح الآخر.
نيراز، ابنها الثاني، الصحفي الوسيم، الذي لا يفارق كاميرته، كان عيون المخيم للعالم الخارجي، يصور الحقيقة كما هي، يملأ قلبها فخراً، لكن الحرب لا تطرق الأبواب… هي تقتحمها فجأة.
بدأ الحصار على المخيم، وقطع الطعام والدواء، وأصبح صوت الطائرات والقذائف هو النشيد اليومي. لم تعد المائدة عامرة كما كانت من قبل، صارت فيروز تجمع فتات الخبز، وتغلي الماء مع القليل من البهارات لتصنع ما يسد الجوع لأحفادها وباقي عائلتها، كانت تقول لعائلتها كلوا يا ماما… أنا شبعت، وهي تخبئ ألم الجوع في معدتها..
القصف لم يرحم، والجوع كان أبطأ من الرصاص لكنه أشد قسوة. محمد استشهد في إحدى الغارات، رحل وترك في قلبها حفرة لا يسدها شيء.
لكن المصيبة لم تقف هنا…
ذات صباح بارد، دخلت قوة مسلحة إلى المخيم. نيراز، الذي كان يوثق ما يجري بكاميرته، تم اعتقاله أمام أعينها. حاولت الإمساك به، لكن أحدهم دفعها بعنف فسقطت على الأرض، ورأته يُساق بين الجنود، فيما الكاميرا التي كانت تحكي قصة الناس، تُركت ملقاة على التراب.
من يومها، بدأت رحلة العذاب.
طرقت كل باب، زارت الفروع الأمنية، أقسام الشرطة، السجون الكبيرة والصغيرة، حتى وصلت إلى بوابة سجن صيدنايا. كل مرة كان الجواب واحداً: “ما في اهيك اسم… ما نعرفه.”
لكنها لم تصدق. كانت تقول:
“كيف لا يعرفوه؟! هو ليس شخص عادي، هو المصور اللي شافوه كل الناس.”
مرت الأيام… تحولت إلى سنوات…
أربع سنوات، ثم سبع، ثم عشر، والآن أربع عشرة سنة وهي تبحث. لم تجد جثة تؤكد موته، ولا ورقة تثبت أنه حي. بين اليقين والأمل، كانت روحها تتأرجح.
كانت أحياناً تجلس قرب صورته، تمرر يدها على وجهه وتهمس:
“يمكن بكرا تدق الباب… يمكن هلأ عم تفكر فيني، ويمكن الله يرحمنا ونلتقي بالجنة.”
خالتي فيروز، رغم كل شيء، ما زالت تحضّر فنجان قهوة زيادة كل صباح، وتضعه على الطاولة، كأنها تنتظر ضيفاً غاب طويلاً… ضيفاً تعرف أنه نيراز.