
عاشق ويعيد.. من حقه حتى يبلغ درجة العاشق
خلت عندما وصلني ديوان عاشق ويعيد للشاعر عبد الكريم العفيدلي أنه ينحصر في ثيمة واحدة هي العشق، ومن حق العاشق أن يعيد حتى ينجح ويبلغ درجة العاشق، وهو لن ينجح على كل حال، لأن للحب مذاقه الخاص ولا يعرفه إلا من اكتوى بناره وخاض معمعة التجربة ولسعته نيرانها.
يبدأ الشاعر ديوانه من دمشق، ثم ينتقل مباشرة إلى المشيب حيث يقول:
بان المشيبُ بلحيتي وتغابى… هل بعد هذا بالهوى أتصابى
ومن بعد المشيب يعود إلى الصبا والنهر الذي يرجع إليه رجوع المشتاق والمعاتب والباحث عن ذكرياته ولذلك يقول:
تبدل لونُ زرقته فأضحى… كئيباً لا يتوق لعاشقيه
كما نجد الطفولة قد سطت عليه وزادت الغربة من وجعه، في نصه “فوضى”:
قضيت العمر رحالاً غريباً… أجوبُ الأرضَ في فوضى حواسي
هذه الطفولة تتضح ىأكثر في نص وقد عرفتني: “صرت أنقشني، في الجدار الذي هُد مني، وأبني على نُتف الحلمِ صومعة الصوت، كي لا أميلْ” وفي مطرح آخر منها يقول: “في سوارِ الطفولةِ، تُغريني الآ، إنني الآنَ، حين أشتدُ في المسير”
قد نجد الكثير من الكلمات التي ينشد فيها الشاعر طفولته وينشد نحوها بعرى متينة، وهذه ليست بمثلبة، بل من المحاسن المحببة والجميلة وليس كل كاتب بقادر على أن يكون طفلاً، والطفولة برأينا تفيد الكتابة في أمرين، أولهما أن الكاتب بحاجة إلى عين الطفل كي يعبث ويلعب ويخربش ويجرب، وثانيهما قدرته على العشق وترميم أقدم منزول عرف على وجه البسيطة وهو بحاجة منا أن نلتفت إليه دائماً.
الأمر لا يقتصر على الطفولة عند الشاعر، بل نراه يوزع عشقه في موضوعات شتى، إلى درجة يتوحد فيها مع المحبوب والفرات والأرض والأحبة والأهل والبلاد والأحزان العميقة الممتدة إلى آخر مدى وما أعذبه حين يقول:
“فأنا لا أكونُ، إلا حين أتوحدُ بكِ، حين تذوبُ حدودي فيكِ، ويولدُ منا كيان”
وما أحزنه حين يقول:
عد للفراتِ ودع فؤادك هاهنا… وخذ العيون َ بصمتها وأساها
كما نجد لديه الكثير من الأمكنة التي تراودها كلماته مثل ” دمشق – حمص – القدس – الفرات – الرقة وغيرها، وما يشار إليه تلك العناوين الموحية التي تأخذنا إلى صور كثيرة، ومنها على سبيل المثال “صمت الظلال – مرايا الموج – صلاة الغياب – أنين الذاكرة” وعلى الرغم من الحزن الطافي الذي يلامس حواف الروح ويغزل جديلته من فوقها، فقد وجدنا لديه القدرة الكبيرة على التهكم والسخرية وذلك ما يتطابق مع قوله في نص صمتُ الجوع: “ذبحت كلُ خرافِ القبيلةِ، كي لا يقال بخلوا عليه بلحم الكرام، ما ذاق رغيفاً طرياً، ولكنهُ حين نامَ، أفاقوا جميعاً على جوعهم” ونجده كمن يبحث عن الأرواح النقية في هذا الكون ويتجلى ذلك في قوله:
“ما كنتُ أعلمُ للأرواحِ ذاكرةٌ حتى قرأتُ حروفاً تشبهُ السُّحبا”
يقال: الشعر اليوم هو أشبه بطائفة سرية تحتفل بطقوسها في سراديب على هوامش المجتمع، المجتمع الاستهلاكي والناشرون التجاريون لا يلتفتون كثيراً إلى الشعر، وفي المقابل يقال أيضاً: لا يمكن أن يكون لدينا مجتمع جيد دون أن يكون لدينا شعر جيد.
ما نود التنويه إليه تلك الرمزية العالية التي تكاد تكون سمة عامة لهذه الكتابة، وقد نجدها على سبيل المثال في قوله: تتزاحم الأفكار المريعة في عتمة الحواس، كقطيع من اللاجئين على معالف “أونروا” أو في الزعتري والبقاع ، يكسر الرعاة أيديهم ويشحذون عليها على أبواب الحظائر الأممية.
ونجدها أيضا في قصيدة من اجل سلام القطيع: “مات الراعي، فقال الذئبُ للخراف أنتم وديعةُ المرحوم.. أنا ظلُّ الراعي إن غاب ومتى أطلُّ تعرفونني جيداً”.
والملاحظ أن الحزن يتغلل بين مفاصل هذه المجموعة التي تنبعث منها رائحة الطفولة السامقة وتبدو فيها الأمكنة مثل منارات تهدي المراكب إلى وجهتها الصحيحة، والشاعر البهي عبد الكريم العفيدلي يبدو لنا كمن عاد من التيه بعد تجارب مكينة ينسرب من خلالها إلى مجرى الروح والوجدان، ونعتقد ونحسب أن ديوان عاشق ويعيد سيكون علامة فارقة في عالمه الشعري، وكلماته ستطل دائماً مثل شعلات الضوء التي تنبعث بنورها على من يتأملها ولم نبالغ حين وصفنا الشاعر بالبهاء لأننا تلمسنا منه هذه الإنسانية التي تقطر عذوبة، وتشع محبة ونوراً وأجد نفسي منحنياً مع قوله الأخير في منتجه هذا:
“أه بلادي
لو يعادُ النبضُ فيكِ
لكانَ صدري مهركِ الأولْ
وكان جرحي قبلةً
لجبينكٍ المصلوبٍ
فوق الصمتٍ والخذلانٍ والوجع المهولْ”
بقي القول إن هذا الكلام يمثلني في حزنه ووجعه وتنوعه وقد وجدت نفسي عاشقاً يريد أن يعيد ويعيد إلى مالا نهاية ولا ضير إن وجدت من يخالف قولي.