سوريا في مرحلة التعافي: بين هشاشة الإمكانيات وثقل الإرث القمعي

0

بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار، يقف السوريون اليوم على أطلال وطنٍ أنهكته الأزمات، لا ليعلنوا بداية جديدة، بل ليتلمسوا خطوات أولى نحو تعافٍ لا يزال هشاً، في بلد لم يخرج بعد من رماد أزماته المتراكمة. فبين أطلال المدن المدمّرة، وأروقة مؤسسات دولة فقدت فاعليتها، وشعب أُنهك اقتصادياً ونفسياً، تتكشف الحقيقة التي يحاول البعض القفز فوقها: سوريا لا تزال في بداية طريق طويل من التعافي، بإمكانيات محدودة، وبإرث سياسي واجتماعي وأمني معقّد، لا يمكن تجاوزه بشعارات أو مطالبات لا تمت للواقع بصلة.

يخطئ من يتعامل مع الواقع السوري كما لو أن البلاد تجاوزت محنتها، ويخطئ أكثر من يعتقد أن الحكومة، بأي تركيبة كانت، قادرة اليوم على إحداث قفزات نوعية في الأداء أو على مواجهة تحديات ضخمة بمفردها. فالدولة التي خرجت من سنوات الحرب ليست دولة مكتملة الأركان، بل كيان يعاني من ترهل المؤسسات، وندرة الموارد، وضغط العقوبات، والانقسامات الجغرافية والاجتماعية، وانعدام الثقة بين المواطن والسلطة.

هذا الواقع لا يعني تبرئة أحد، ولا التهرب من المسؤولية، لكنه دعوة لفهم السياق كما هو، لا كما نطمح إليه. فمحاسبة المسؤولين، وممارسة النقد، والمطالبة بالشفافية، أمور مشروعة ومطلوبة في أي مجتمع حي، لكنها تفقد قيمتها حين تُمارس دون إدراك للظروف المحيطة، ودون تمييز بين دولة مستقرة، ودولة ما زالت تحاول النهوض من تحت الركام.

كثيراً ما نرى منشورات غاضبة تهاجم وزراء ومسؤولين، وكأنهم يديرون دولة كبرى، لا بلداً محاصراً بالعقوبات، يعيش على فتات المساعدات، وتفكك اقتصادي واجتماعي. تُحمّلهم مسؤوليات لا يملكون أدواتها، وتُسائلهم على نتائج لا يمكن تحقيقها في المدى القريب. هذه المقارنات غير المنطقية – بين سوريا وما يجري في دول مثل سويسرا أو بريطانيا – ليست إلا انعكاساً لرغبة مشروعة في التغيير، لكنها، في بعض الأحيان، تُترجم إلى جلد للذات، ومطالب غير قابلة للتحقيق في الظروف الراهنة.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن المجتمع السوري ذاته لا يزال يحمل الكثير من تبعات مرحلة الاستبداد. فالعقلية التشبيحية التي رافقت عقوداً من الحكم الأمني لم تختفِ فجأة. لا يزال الخوف من الرأي حاضراً، ولا تزال ثقافة التخوين سائدة، ولا يزال الكثيرون ينظرون إلى الدولة باعتبارها خصماً لا شريكاً. وهذا الإرث لا يمكن معالجته بخطاب عاطفي أو منشور انتقادي، بل يحتاج إلى سنوات من العمل الهادئ، والتربية المدنية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

الأصعب من إعادة الإعمار المادي، هو إعادة بناء الإنسان السوري، بعد ما تعرّض له من تهميش وقمع وتجهيل. والمجتمع الذي لم يُمنح يوماً الفرصة ليتعلم أدوات الحرية والمواطنة والمحاسبة، لا يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مجتمع ديمقراطي قادر على إنتاج مؤسسات فاعلة. وهنا تبرز أهمية النضج في الخطاب العام، والتدرّج في المطالب، والتفريق بين النقد البنّاء، والنقد الهدّام.

ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط حكومة أكثر كفاءة، بل بيئة وطنية شاملة تدرك أن الطريق نحو دولة عادلة يحتاج إلى وقت، وصبر، وعمل جماعي. تحتاج إلى مواطن يفهم حقوقه، لكن أيضاً يفهم التحديات التي يواجهها البلد. تحتاج إلى معارضة مسؤولة لا تقتات على أخطاء الداخل، بل تدعم الإصلاح أينما وُجد. وتحتاج قبل كل شيء إلى إنهاء حالة الاستقطاب الحاد التي تمنع أي حوار حقيقي، وتُحوّل كل اختلاف إلى معركة تخوين وتشكيك.

الخروج من مرحلة التشبيح والقمع ليس مسألة قرارات حكومية فقط، بل هو مسار مجتمعي طويل، يتطلب إعادة إنتاج الثقافة السياسية والاجتماعية على أسس جديدة. وسوريا – بكل ما مرت به – لا تزال في بداية هذا الطريق، طريق التعافي الحقيقي، الذي لا يُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على الصبر، والعمل، وبناء مؤسسات تمثل الناس، وتحمي حقوقهم، وتحاسب المخطئ بقوة القانون، لا صخب الشارع.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني