سوريا بعد الأسد في التقارير الأوروبية: العودة الحذرة واختبار كرامة اللاجئين

0

من ساحة حرب إلى دولة قيد التشكل:

بعد عام على سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تعد سوريا تُستحضر في النقاشات الدولية بوصفها ساحة حرب مفتوحة، بل كدولة خارجة من حقبة استبداد ثقيل، تحاول إعادة بناء مؤسساتها وسط تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية معقدة.

وفي هذا السياق، أصدر مكتب الهجرة والاندماج في الدنمارك في كانون الأول/ديسمبر 2025 تقريراً تقييماً لأوضاع فئات محددة في سوريا، معتمداً بصورة أساسية على تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان واجتماعات مباشرة معها، ومغطياً الفترة من 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025.

عودة اللاجئين: حذَر مشروع وواقع غير جاهز:

يشير التقرير إلى أن عودة اللاجئين ما تزال محدودة وغير منتظمة. فالعائدون يأتون غالباً من دول تعاني ضعفاً في الخدمات، ولا سيما لبنان، وغالباً ما يمتلكون موارد مالية تمكّنهم من تحمّل أعباء البداية.

في المقابل، تبقى العودة من أوروبا نادرة، إذ يتردد اللاجئون في التخلي عن ظروف معيشية مستقرة نسبياً، في ظل هشاشة الخدمات العامة داخل سوريا وعدم جاهزيتها لاستيعاب عودة واسعة النطاق.

الاقتصاد والسكن: انتعاش غير متوازن:

يُعد السكن أحد أخطر التحديات التي تواجه العائدين، إذ ارتفعت الإيجارات بشكل حاد متجاوزة مستويات ما قبل المرحلة الانتقالية. وبينما انخفضت أسعار بعض السلع الأساسية، ارتفعت أسعار أخرى، ولا سيما المستوردة، ما خلق آثاراً اقتصادية متباينة على الأسر. ورغم ارتفاع أجور القطاع العام، فإنها تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين المناطق، مما يعمّق الفوارق الاجتماعية. في المقابل، يشهد النشاط الاقتصادي انتعاشاً نسبياً، ولا سيما في قطاع البناء، مع توقع نقص في اليد العاملة نتيجة الهجرة طويلة الأمد.

التعليم والخدمات: العائق الصامت أمام العودة:

لا يزال قطاع التعليم في وضع حرج، وهو عامل رئيس يثني كثيراً من العائلات عن العودة، خصوصاً تلك التي لديها أطفال اعتادوا على أنظمة تعليمية مستقرة في دول اللجوء.

كما تبقى الخدمات العامة محدودة، ما يفرض صعوبات إضافية على من اعتادوا مستويات معيشية أعلى، ويؤكد التقرير أن العودة الآمنة والكريمة ما تزال بحاجة إلى استثمارات عميقة وإصلاحات مؤسساتية طويلة الأمد.

إجراءات العودة والأمن: مرونة بلا ضمانات كاملة:

وفقاً للتقرير، تُعد إجراءات العودة مرنة عموماً؛ إذ يُسمح للسوريين بالدخول باستخدام جواز سفر أو أي إثبات للجنسية، كما يُسمح للأطفال غير الحاملين لوثائق سورية بالدخول برفقة والدهم الموثّق. ويتم إبلاغ المدرجين على قوائم المطلوبين بوضعهم عند الوصول، مع فرض قيود على المغادرة إلى حين تسوية أوضاعهم. أما من غادروا سوريا بصورة غير نظامية قبل المرحلة الانتقالية، فلا يُطلب منهم عادة الإبلاغ، وتُمنح لهم وثائق عبور.

الخدمة العسكرية والحريات العامة:

أُلغيت الخدمة العسكرية الإلزامية وتحول التجنيد إلى طوعي، مع عدم تسجيل حالات تجنيد قسري. ويتمتع المتهربون والفارّون بحرية تنقل عامة دون اشتراط تسويات رسمية. كما وُصف النظام القضائي بأنه مستقر نسبياً، رغم تأخر بعض القضايا نتيجة استبدال قضاة فاسدين، فيما لا يزال وضع المحاكم العسكرية غير واضح بعد تعليقها قبل المرحلة الانتقالية.

وأفادت الشبكة بأن السلطات المؤقتة تسمح بانتقادها عموماً، مع تفاوتات محلية، ودون سياسة منهجية لاستهداف المنتقدين، رغم تسجيل اعتقالات فردية وضعف المساءلة.

العودة كحق… لا كمغامرة:

يكشف التقرير الدنماركي، المعتمد على توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن سوريا الجديدة تقف في منطقة رمادية: ليست بلداً آمناً بالكامل، ولا ساحة قمع شامل كما في الماضي.

إن عودة اللاجئين لا يمكن اختزالها في تقييمات تقنية، بل هي اختبار أخلاقي وقانوني لاحترام كرامة الإنسان وحقه في العودة الآمنة والطوعية. فنجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس بعدد العائدين، بل بقدرة الدولة على توفير السكن، والتعليم، والعدالة، وضمان ألا تتحول العودة إلى شكل جديد من المعاناة.

وفي هذا الامتحان، تظل الحقيقة والحقوق والإنسان هي البوصلة الوحيدة لسوريا التي يحلم بها السوريون.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني