سوريا المُنهكة: أزمة وطن أم مقدمات حرب أهلية؟

0

يعيش السوريون اليوم في قلب دوّامة حرب شديدة التعقيد، تتشابك فيها الخيوط الداخلية مع حسابات الخارج، ما أحال البلاد إلى ساحة صراع مفتوح تتلاقى فيه القوى الإقليمية والدولية. هذا التداخل العنيف جعل من المستحيل تقريباً على أي مراقب أن يقدّم صورة واضحة للمشهد السوري أو أن يضعه في إطار محدّد الملامح. ومع تصاعد الحديث عن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، يلوح في الأفق خطر أعظم، يقودنا إليه استمرار غياب البوصلة الوطنية للسوريين ما يهدّد بدفعنا نحو هاوية أشدّ قسوة من سنوات الحرب الأربع عشرة الماضية. فهذه المرّة، لا احتكام سوى للغة السلاح التي، إن فرضت نفسها، فسوف تضع الجميع أمام مصير قاتم لا أفق له. وهنا يثور السؤال الصعب: هل كان سقوط نظام الأسد المجرم بداية تحرّر طال انتظاره، أم الشرارة التي ستفجّر حرباً أهلية تقف سوريا على عتبتها اليوم؟

من أخطر ما يواجه السوريين في هذه اللحظة المفصلية أن السلاح ليس محصوراً بيد الجيش أو مؤسسات الدولة، بل تفتّت وانتشر بين جماعات محليّة وتنظيمات مسلّحة وأفراد ينظرون إليه كوسيلة لحماية أنفسهم ومستقبل جماعاتهم. هذا الانتشار الواسع للسلاح لا يقتصر على كونه قضية أمنيّة أو تقنيّة عابرة، بل يشكّل تهديداً مباشراً لوجود الدولة والمجتمع معاً. فالسلاح الذي وُجِّه بالأمس في مواجهة نظام الأسد، قد يتحوّل اليوم إلى أداة لتصفية الحسابات الداخلية وإشعال صراعات بين المكوّنات، في ظل بيئة هشّة تستثمر فيها قوى خارجية مصالحها عبر إذكاء التوترات. والأخطر من ذلك أنّ غياب مظلة سياسية وطنية جامعة تقودها الدولة، وافتقادها لمشروع وطني قادر على استيعاب التناقضات وتوجيهها نحو مسار سياسي جامع، يجعل من احتمال انفجار هذه الصراعات واقعاً ملموساً يهدّد أمن البلاد وسلامة شعبها.

مشهد سوري متعدد الصور

المشهد السوري اليوم شديد التعقيد والتشظي. فالسوريون الذين حُرموا طوال عقود حكم الأسد البائد، وخاصة بعد اندلاع ثورة 2011، من وجود رأي عام وطني جامع حول قضاياهم المصيرية، يجدون أنفسهم الآن أمام تحدٍّ أخطر: بقاء “سوريا الواحدة الموحّدة” في الوعي الجمعي، بل وحتى على خريطة القوى المتناحرة فوق الأرض. إذ لم يعد ممكناً النظر إلى ما يجري في سوريا ككتلة واحدة متجانسة، وإنما عبارة عن فسيفساء متداخلة من القوى والمجتمعات والانتماءات المذهبية والإثنية، تُضاف إليها أجندات إقليمية ودولية تتحكم في مسارات الصراع. وأي محاولة لتفكيك هذا “المشهد السوري الراهن” ستصطدم سريعاً بسلسلة من المشاهد المتناقضة والمتصارعة التي يصعب الوصول معها إلى نتيجة مرضية لجميع السوريين.

ففي الشمال الشرقي، يسعى الأكراد لبناء معادلاتهم الخاصة ضمن الجغرافيا السورية في ظل دعم أميركي متردد. وفي الشمال الغربي، تتحكم تركيا بالفصائل المعارضة بما يخدم مصالحها. أما في الجنوب والوسط وصولاً إلى درعا، فتتوزع السيطرة بين مجموعات محلّية متقلبة الولاءات مع وجود صارخ لإسرائيل في تلك المنطقة. وفي دمشق، سلطة تحكم بلا رؤية ولا برنامج اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي واضح، استطاعت أن تنفتح على كل دول العالم الغربي وأن توقع اتفاقيات اقتصادية بمليارات الدولارات، بينما تنقصها الشجاعة السياسية لمواجهة صريحة مع احتياجات الداخل السوري. وفي السويداء يتسرب الوطن شيئاً فشيئاً من يدي أبنائه، ليبلغ ذروته مع رفع العلم الإسرائيلي هناك كصرخة غضب واحتجاج ويأس عميق من كل ما يحدث. في المقابل، يواصل الروس والإيرانيون تحضيراتهم في سوريا ولبنان، لتظهر تداعيات ذلك جليّة في إعادة ترميم حزب الله وتصاعد لهجته التهديدية للبنانيين عقب إعلان الدولة اللبنانية سحب السلاح منه في مدّة أقصاها نهاية العام الجاري.

هذا التّشظّي، في ظل غياب إطار وطني جامع، لا يعني فقط غياب الصوت الواحد، بل يفتح الباب لانقسامات مذهبية وطائفية ومناطقية، تتجاوز حدود السياسة لتصبح أسئلة في صميم الوجود الوطني: من نحن كسوريين؟ وما الذي يمكن أن يجمعنا بعد كل هذا الخراب؟

تكدّس السلاح

ثلاثة دوافع أساسية يمكنها أن تجيب على سؤال لماذا يتكدّس السلاح في سوريا: صراع موازين القوى الداخلية، الخوف العميق من الآخر، ثم الدور الحاسم للخارج.

مع انهيار مؤسسات الدولة وانعدام العدالة بعد سقوط نظام الأسد البائد، انهارت الثقة بين المكوّنات، وصارت القوة وحدها لغة البقاء. العرب والكرد، السنّة والعلويون، الدروز والمسيحيون وسواهم، جميعهم خرجوا من سنوات الدم والمجازر في الساحل والسويداء بذاكرة مثقلة بالشكوك، حتى صار التخلي عن السلاح أقرب إلى انتحار جماعي لأي جماعة شعرت أنها مهددة أو كانت ضحية في الماضي. الأدهى من ذلك، أن السلاح لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح أداة في أيدي مشاريع إقليمية ودولية تتلاعب بالمشهد السوري، فتغذّي الانقسامات وتدفع نحو المزيد من الاحتراب. وعليه، فإن وقف تدفق السلاح لن يُقرَّر في دمشق أو الرقة أو إدلب والسويداء، وإنما تقرره أنقرة وطهران وموسكو وواشنطن وتل أبيب. وكلما استمر غياب المشروع الوطني الجامع والقادر على ضبط كل هذا الانفلات، كلما اتسعت مساحة وقدرة الإقليمي والدولي لدفع السوريين بكل مكوّناتهم نحو الانزلاق في صراع لا نهاية له.

فالأخطر ليس فقط انتشار السلاح في سوريا، وإنما غياب الإرادة الوطنية الحقيقية الحامية لأبناء البلد. فبدون حكومة انتقالية قادرة، على تحقيق العدالة والاستقرار، وقادرة أن تجمع السوريين بعقد اجتماعي جديد، ستبقى البلاد معلّقة بين حرب لم تنتهِ بعد وسلام لم يولد بعد. ولا يمكن المراهنة طويلاً على حالة المراوحة الراهنة، فهي شديدة الهشاشة وقابلة للانزلاق سريعاً نحو اشتعال حرب لا تبقي ولا تذر. كذلك، فإن استمرار الفراغ السياسي في البلاد، سوف يجعل كل خلاف محلّي مرشّحاً لأن يتحول سريعاً إلى مواجهة مسلحة تزيد من احتمالات الانهيار الكامل للمجتمع السوري وتعمّق أزمة الدولة والهوية الوطنية.

هل الحرب الأهلية حتمية؟

رغم كل هذه المؤشرات المقلقة، لا يمكن القول إن الحرب الأهلية في سوريا قدر محتوم. هناك عوامل كابحة قد تؤجل أو تمنع انفجارها، أهمها توازن الرعب، إذ تدرك جميع القوى السورية أن حرباً مفتوحة ستقود إلى دمار متبادل وربما إبادة جماعات كاملة. لذلك، لا بد من فسح المجال أمام العقل السوري الوطني ليأخذ مكانه ويتصدّى لمن لا يزال يواصل في تسعير اللّهب. وهنا تماماً، تتجلى أهمية الدولة، بوصفها العقل البارد والمأمول لدى شريحة واسعة من أبناء الشعب السوري، أن تكون قادرة على استيعاب ما يحدث داخل الحدود المجتمعية السورية، وهضمه ومن ثم إعادة إنتاجه في صالح الوطن والمواطن. أكثر ما يحتاج إليه السوريون اليوم، هو أن تتولى الدولة السورية وضع خارطة طريق عملية، تبدأ سريعاً بحوار وطني جامع، يشمل ليس فقط النخب السياسية، بل أيضاً المجتمعات المحلية المتضررة، بما يسهم في تعزيز دور المجتمع المدني كجسر لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المكوّنات السورية. إذ، ورغم ضعف إمكاناته الحالية، يبقى المجتمع المدني أحد أهم الأدوات القادرة على إعادة نسج العلاقات بعيداً عن منطق السلاح.

أيضاً، لا بد من الاعتراف بأن استقرار سوريا لن يتحقق بقرار داخلي فقط، بل يحتاج إلى مسار تدريجي يبدأ بالمستوى المحلي، مروراً بالإقليمي، وصولاً إلى الدولي المشترك. ويجب أن يكون هذا المسار مستنداً إلى ضمانات أمنية حقيقية تصون كرامة الناس وحقوقهم وتضمن استقرار حياتهم. ويبدأ ذلك بخطوات عملية واضحة، أولها نزع السلاح، يليها إطلاق عملية إعادة إعمار اقتصادي ملموسة، بما يوجّه جهود القوى السياسية والعسكرية نحو تأمين لقمة العيش، بدلاً من الانجرار إلى صراعات دموية.

سوريا اليوم تقف على حافة الهاوية، أشبه ببيت آيل للسقوط. جدرانها متصدعة، سقفها مهدّد بالانهيار، وشعبها يترنّح بين الخوف واليأس. غياب المشروع الوطني المتكامل، إلى جانب الانتشار المخيف للسلاح بين مختلف الفصائل والمواطنين، وخصوصاً مع تدخلات خارجية، كلها عوامل تجعل البلاد على مشارف حرب أهلية شاملة تزرع الرعب بين المواطنين المُنهكين أصلاً. السلاح يمنح شعوراً زائفاً بالقوة، لكنه لا يحمي، والانتقام قد يخفف الألم لحظة، لكنه لا يبني وطناً. وحدها لغة العقل والحوار والالتزام بالوحدة الوطنية قادرة على كبح هذا الانحدار. كل لحظة تأخير، وكل تردد، تجعل الشرارة القادمة أكثر قرباً وأشد فتكاً.

السؤال الذي يواجه السوريين اليوم صارخ وحاسم ولا يقبل التأجيل. فهل يختارون طريق العقل، ويسكتون صوت الرصاص، أم أن الطريق قد فُتح بالفعل نحو حرب أهلية مدمّرة مجهولة الأفق؟ الوقت لا ينتظر، والتردد اليوم قد يكون الكارثة غداً.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني