
سوريا العهد الجديد.. ركائز استقرارها السياسي الغائبة وأهميتها في بناء وطنٍ للجميع
الخلاص من نظام الإبادة والاستبداد الأسدي كان ضرورة تاريخية ليس للسوريين فحسب، بل لكلّ المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، على اعتبار أن هذا النظام قد حوّل البلاد إلى منصةٍ لإنتاج وتهريب المخدرات “حبوب الكبتاغون وغيرها”، وتهريب الأسلحة، ومساندة كلّ القوى التي كانت عناصر في المشروع الإيراني في السيطرة على المنطقة العربية.
الخلاص من نظام الاستبداد أتى على قاعدة توافقات دولية، إذ أصبح عبئاً ثقيلاً على حلفائه، وخطراً داهماً على إقليم الشرق الأوسط برمته.
العهد الجديد بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع يُنتظر منه إعادة سوريا إلى مسارها الطبيعي كدولةٍ تعيش في وفاق مع محيطها الإقليمي، ومع محيطها العربي الطبيعي.
هذا المسار ليس مطلباً داخلياً فحسب، بل هو أيضاً مطلبٌ إقليمي ودولي، لمنع تحوّل هذا البلد إلى مجموعة بؤرٍ متناحرة ستشكّل لاحقاً مراكز لتصدير الإرهاب إلى دول المحيط المجاور.
إعادة سوريا إلى مسارها الطبيعي يعني بالضرورة إعادتها إلى حياتها المتوازنة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإن هذا المسار لا يمكن أن يحقق الاستقرار السياسي دون وجود عهد جديد، يمنح كل المكونات الوطنية ذات الحقوق والواجبات، على قاعدة وحدة البلاد جغرافياً وسياسياً، تحت راية علم وطني واحد، وجيش واحد وحكومة تمثّل الجميع.
هذا المطلب يعني إعادة إنتاجٍ لأسلوب إدارة البلاد وفق هذه الصيغة، التي يمكن أن تشكّل مربع تفاهمات وطنيّة تسمح بالاستقرار السياسي العام، وهي الصيغة التي تمنع غلاة الدعوات إلى لا مركزية سياسية، أو نظام إدارات ذاتية من محاولات خلق صراعات جانبية الغاية منها تحقيق مصالح ضيّقة لدعاتها، أو لصالح مشاريع عابرة للوطنية.
هذه الاتجاه في الإدارة يتطلّب إعلاناً دستورياً معدّلاً يلحظ هذه المطالب، ويتطلب في الأساس من العهد الجديد إعادة إنتاجه لرؤيته لهذا المسار، الذي لا يزال يتّسم باللون السياسي الواحد بصورة عامة، وازدواجية أخذ القرار في مؤسسات الدولة.
إن أحد أهم عوامل الاستقرار هو خلق الثقة بين العهد الجديد ومكونات الطيف السياسي السوري، ونقصد بمكونات الطيف السياسي القوى والأحزاب ذات الرؤى السياسية المتعددة والمختلفة، والتي تعبّر عن أوسع فئات اجتماعية في البلاد، على أن يحكم على برامجها الشعب السوري من خلال صندوق الانتخابات الشفّافة، والذي يمنح الشرعية الحقيقية للفائزين في هذه الانتخابات.
إن استبعاد الحياة السياسية عن المجتمع والدولة سيقود بالضرورة إلى مسارٍ يركّز السلطة بيد فئة واحدة، وهذا سيخلق مناخاً للصراعات لا تحتاجها البلاد ولا العباد.
السوريون كلهم بصورة كاسحة مع وحدة البلاد سياسياً، ومع أن تكون الحكومة ممثلةّ لكل فئات الشعب، وأن تعمل هذه الحكومة وفق إعلانها الدستوري المعدّل على ترسيخ الاستقرار، وتنفيذ برنامج للعدالة الانتقالية، والبدء بانطلاقة حقيقية لإعادة إعمار ما دمّره نظام الإبادة، وكذلك لبدء انطلاقة التنمية المستدامة.
السوريون يريدون استقرار بلادهم، وهم يدركون إن هذا الاستقرار ممكن في مناخ من الثقة الحقيقية بين كل المكونات السياسية الوطنية، وهذا يتطلب إطلاق مشروع تشكيل أحزاب وطنية ليس على أساس طائفي أو اثنيٍ أو قوميٍ أو حتى ديني، وإنما على أساس وطني يرسّخ الهوية الوطنية السورية، لتكون القاسم المشترك بين كل السوريين على اختلاف دياناتهم وطوائفهم واثنياتهم.
إن سوريا لا تزال بحاجة للوقت للخروج من مخاضها بعد سقوط النظام الأسدي، هذا الوقت يجب أن تشارك فيه كل قوى المجتمع السوري الحيّة من أجل إنجاز مهام المرحلة الانتقالية بزمن قياسي قصير، وإن يتمّ متابعة الحكومة بكل قراراتها العامة ومشاريعها، ونقد الأخطاء والعثرات التي تقع فيها، إذ يجب تغليب المصلحة الوطنية على أي مصلحة أخرى، لإنها المربع الذي يتقاطع فيه كلّ السوريين.
إن السفينة الوطنية التي يقودها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لا يزال أمامها مهام كبرى، وينتظر السوريون أن تبحر هذه السفينة وسط كل الأمواج المعادية لسوريا للوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.