
زيارة الرئيس أحمد الشرع للإمارات: ما وراء الأبواب المغلقة؟
في تطور لافت على الساحة السياسية السورية، جاءت الزيارة الثانية للرئيس أحمد الشرع إلى دولة الإمارات العربية المتحدة خلال فترة زمنية قصيرة، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على نتائج اقتصادية أو سياسية ملموسة للزيارة الأولى. ورغم نفي وزارة الإعلام السورية بأن للزيارة أي علاقة بمحادثات مع إسرائيل، فإن الغموض الذي يحيط بهذه الخطوة يثير العديد من التساؤلات حول خلفياتها وأهدافها، خاصة في ظل الشلل شبه التام الذي يلفّ مؤسسات القرار الداخلي، وعلى رأسها مجلس الشعب.
فما الذي يسعى إليه الرئيس الشرع من هذه الزيارة؟ ولماذا الآن؟ وما دلالات التوقيت في ظل الركود المؤسسي، والضبابية التي تكتنف مسار السياسات الداخلية والخارجية للدولة السورية؟
زيارة دون نتائج؟
الزيارة الأولى التي أجراها الرئيس الشرع للإمارات قبل عدة أشهر رُوِّج لها إعلامياً على أنها زيارة “تعزيز التعاون الثنائي”، إلا أن المتابعين للشأن الاقتصادي لم يلمسوا أي تطور فعلي في العلاقات التجارية أو الاستثمارات بين البلدين منذ تلك الزيارة. لم يتم الإعلان عن مشاريع مشتركة، ولا عن اتفاقيات اقتصادية أو صناعية، وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول طبيعة هذه اللقاءات المغلقة.
من المعروف أن العلاقات السورية-الإماراتية قد شهدت في السنوات الأخيرة نوعاً من “البرود الحذر”، حيث تسعى أبوظبي إلى استعادة دورها الإقليمي من بوابة التوازنات، بينما تبحث دمشق عن متنفس إقليمي في ظل العقوبات والعزلة الدولية. لكن إن كانت الزيارة الأولى لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، فلماذا الإصرار على زيارة ثانية؟ ولماذا لا يتم الإعلان عن جدول أعمال واضح يطمئن الداخل السوري قبل الخارج؟
غياب الشفافية ومخاوف مشروعة
تصريح وزارة الإعلام بأن “الزيارة لا علاقة لها بإسرائيل” يبدو، في أحسن الأحوال، محاولة لإغلاق الباب أمام التكهنات المتزايدة في الأوساط السياسية والإعلامية. لكن النفي وحده لا يكفي، خاصة إذا لم يقترن بإعلان واضح حول أهداف الزيارة ومحاور النقاش. فحين تُثار شكوك حول وجود قنوات خلفية أو وساطات إقليمية تتعلق بالموقف السوري من إسرائيل، يصبح الصمت الرسمي مدعاة للريبة أكثر من كونه وسيلة لاحتواء الشائعات.
هناك سوابق في التاريخ السوري، كما في تاريخ الأنظمة العربية، تؤكد أن النفي الإعلامي لا يضمن عدم وجود تحركات موازية. فهل هناك حقاً تحضيرات أو تفاهمات تتعلق بموقف سوريا من إسرائيل تجري خلف الأبواب المغلقة؟ وهل الإمارات تقوم بدور الوسيط – كما فعلت في ملفات إقليمية أخرى – لإعادة ترتيب أوراق العلاقة السورية-الإسرائيلية؟ وإن لم يكن كذلك، فلماذا لا يُكشف عن محاور الزيارة بشفافية ووضوح؟
الفراغ التشريعي: سلطة بلا توازن
الزيارة تأتي أيضاً في وقت حساس داخلياً، حيث يشهد مجلس الشعب السوري فراغاً واضحاً في القيادة، وتأخراً في تعيين أو انتخاب رئيس المجلس وأعضاء لجانه الأساسية، وهو ما يعطل عمل السلطة التشريعية بشكل فعلي. وهذا الفراغ لا يمكن اعتباره مجرد خلل إداري، بل هو مؤشر على اختلال في توازن السلطات داخل الدولة.
ففي ظل غياب سلطة تشريعية فاعلة، تصبح السلطة التنفيذية – المتمثلة بالرئيس وحكومته – هي المصدر الوحيد للقرار. ويثير هذا الوضع أسئلة جوهرية حول مدى التزام النظام السياسي السوري بمبدأ فصل السلطات. هل باتت السلطة في يد الرئيس بشكل شبه مطلق؟ وهل يُتخذ القرار السياسي – وخاصة ما يتعلق بقضايا مصيرية كالتطبيع أو تعديل المواقف الخارجية – دون العودة إلى مؤسسة تمثيلية كبرى من المفترض أن تعبر عن إرادة الشعب؟
الموقف من إسرائيل ليس ملفاً إدارياً أو تقنياً، بل هو قضية وطنية محورية تحدد هوية الدولة وموقعها في الصراع الإقليمي. وبالتالي، فإن أي نقاش بشأن هذا الملف يجب أن يتم عبر مؤسسات منتخبة، وبشفافية، وليس ضمن لقاءات مغلقة أو تحركات فردية.
الإمارات كلاعب إقليمي: فرصة أم خطر؟
في السنوات الأخيرة، صعّدت الإمارات من دورها الإقليمي في العديد من الملفات: من اليمن إلى ليبيا، ومن السودان إلى العلاقات مع إيران وتركيا وإسرائيل. تحاول أبوظبي أن تتموضع كلاعب “وسيط” قادر على فتح القنوات المغلقة بين الخصوم. وبالتالي، فإن احتمال أن تكون الزيارة جزءاً من تحرك أوسع لإعادة سوريا إلى الخارطة الإقليمية – ولكن بشروط معينة – لا يمكن استبعاده.
الخطير في الأمر هو أن هذه الوساطات – إن وجدت – لا تأتي بمعزل عن مصالح الدول المتدخلة، ولا تخلو من أثمان سياسية. وإذا كانت الإمارات تسعى لتسويق تطبيع تدريجي مع إسرائيل في العالم العربي، فهل تُمارس ضغوطاً على دمشق لتليين مواقفها؟ وهل يملك الرئيس الشرع هامش مناورة حقيقي، أم أن الضغوط الاقتصادية الخانقة قد تدفعه لقبول تسويات غير متفق عليها داخلياً؟
أين الشعب من كل هذا؟
المفارقة الكبرى تكمن في تغييب الرأي العام السوري عن هذه التحركات. لا نقاشات برلمانية، ولا حوارات إعلامية مفتوحة، ولا حتى بيانات توضيحية ذات مصداقية. المواطن السوري الذي يعيش ضغوطاً اقتصادية خانقة، وتراجعاً في مستوى المعيشة والخدمات، من حقه أن يعرف ما الذي يُطبخ في الكواليس.
أكثر من ذلك، فإن أي تغيير في السياسة الخارجية، خاصة تجاه ملف حساس مثل إسرائيل، لا يمكن أن يتم عبر زيارات شخصية أو مبادرات منفردة، بل يجب أن يمر بمسار شفاف ومؤسساتي. وإن كان لدى الرئيس الشرع رؤية جديدة للعلاقات الإقليمية، فمن واجبه أن يطرحها للنقاش العام، وليس أن يمررها تحت عناوين فضفاضة مثل “تعزيز العلاقات الثنائية”.
خاتمة: بين الغموض والمحاسبة
زيارة الرئيس أحمد الشرع الثانية للإمارات تفتح الباب أمام الكثير من الأسئلة، لكنها للأسف لا تقدم أي إجابات. ومع استمرار الغموض وغياب الشفافية، يزداد الشعور العام بأن السلطة تسير في مسارات منفصلة عن إرادة الناس. وهذا من شأنه أن يُضعف ثقة الشارع، ويزيد من حدة الاستقطاب الداخلي، ويضعف قدرة الدولة على إدارة ملفاتها الحيوية بشفافية ومسؤولية.
ما تحتاجه سوريا اليوم ليس تحركات دبلوماسية غامضة، بل بناء ثقة بين السلطة والمجتمع، وإعادة الاعتبار للمؤسسات التمثيلية، وعلى رأسها مجلس الشعب. فالمواقف الكبرى لا تُصنع في الغرف المغلقة، بل عبر نقاش وطني واسع يشارك فيه الجميع.