زهر البيلسان

0

صباح شتائي متخم بالحرارة المنخفضة، والبرد القارس، أعقب ليلاً مدلهم الأركان، اقتطع تفاصيله من كينونة آذار القاسي…

هو صباح جديد آخر التهم صباحات الأيام والأسابيع والسنوات العشر التي حطَّت في حيِّز الاعتياد ضمن برنامج يومي تتعامل فيه رباب المسؤولة عن الحافلة التي تحضر الأطفال من بيوتهم، في وقت مبكر جداً، وترجعهم بعد الثالثة ظهراً.

مضت الحافلة متبخترة في مشيتها الحبلى برائحة يوم وليد، وألق صبح مشرِّق منير، مذكرةً “والصبح إذا تنفس” وقد راحت الحقول والزهور، الطرقات والشوارع، الحارات والحدائق تنتشي بأنفاس الأنوار، وبهجة الضوء.. ودلال العذارى…

بتيهٍ وغنج انسابت تفاصيل الطريق أمام ركاب الرحلة من أطفال ومشرفين، الذين غمرتهم سعادة البشر والرجاء بأن يكون يوماً سعيداً مبهجاً، يتناسب وحركة الانسياب فوق إسفلت الطريق، وكأنما تتراقص أشرعة الحلم، ويتهادى الفرح نشوان بإيقاع غنج خبب لطاووس راح يطوي الأفق عبر مدى الرؤيا، وينثر النجوم والكواكب، ويقطف الأفق سنا وهج لروح خرجت من قمقمها، وطارت بعيداً على صدى سحر وانطلاقة ترانيم وأغان خلف الحجب، يشدو بها صوت سفير إلى عوالم ما بعدها انحسار أو قيود، فمع الأنغام الملائكية، تخطوا الأرواح باتجاه النور الربَّاني:

وحدن بيبقوا متل زهر

البيلسان

وحدن بيقطفوا وراق

الزمان

بيسَكْرُوا الغَابي

بيضلهن متلِ الشِّتِي يدقُّوا

على بوابي

على بوابي

فكَّرت رباب: السنوات طويلة مرَّت على عملها، لم تستطع تغيير مشاعرها تجاه هذه الأغنية، وإنما زادتها تعلقاً بها وبمن حولها، بل لكل ما صادفته من أطفال الروضة، وفي مقدمتهم زهور الصباح الذين يزينون نهاراتها، ويختمون الرحلة اليومية بضحكاتهم، وشغبهم ببراءتهم، واندفاعاتهم لتقبيلها، واحتضانها… هو ذا عالم الطفولة الذي يكبر في وسط المعاناة والقتل والتدمير…

بابتسامتها المعهودة أغلقت أشرعة القلق العاصف بداخلها، واحتوت كماً كبيراً من الصور والمشاهد والأحداث الدامية التي لم تعد تكتفي بتفجير زلزال الخوف والرعب، في مدينة تسكنها الدماء، وتوقعها الجثامين، مدينة ثكلى، حبلى بعشرات، بل مئات مشاريع القتل والتِّرحال، الفقدان والتغييب القسري، والجرائم الفظيعة التي لا يمكن للرؤيا أو العقل، أو العين تصديقها، واستيعابها.

أطرقت بحزنها، وارتدت عيناها إلى وجيب قلبها الذي استطاع أن ينفذ مدى دقاته إلى مكمن دمعها، وقد وقف قرارها بعدم إظهار قهرها أو ضعفها أمام الأطفال والمشرفين، وحناجر الصمت إجلالاً وحباً بالصوت الملائكي الضعيف الجبار، الرقيق القوي، المرن الصلب، الحزين المفرح، الحر السجين.

يا عشب داشر فوق هالحيطان

ضويت ورد الليل عَ كتابي

برج الحمام مسوَّر وعالي

هج الحمام بقيت لحالي

يا ناطرين التلج ما عاد بدكن

ترجعوا…

حاولت قطرات المطر أن تداعبها بكثير من شغبها الماجن، وقليل من افتعال هدوء مستعار، نقرت لها على زجاج النافذة، ومضت تتمايل بذراتها الكسولة اللاهية، نفثت بضباب شقاوتها مشكلة طبقة من الأبخرة البيضاء الشفافة، تأملت ذلك المشهد بقليل من الحضور، وكثير من الانعتاق والغياب عن رحلة بدأت ــ كعادتها ــ ولم ترد أن تنهي أوصالها الممتدة نحو المجهول، مجهول أغرقته أصوات القذائف، وأزيز الرصاص، وجنون طيران بات متعطشاً لقطف ما تبقى من زهور في حديقة الحياة، وتمزيقها بأنياب سوداء متوحشة، ترتطم بصراخ وعويل، نداءات واستغاثة رجاء وترجي، أمل ميت في مهده، ممزق الأشلاء، ومقطّع الأوصال في قطفه لياسمين مدينة استحال بياضها إلى نزف أحمر، خلع عنه نهاية غطرسة الجرائم، وشتات ذبح جماعي، لأبرياء أتت الغيمات إليهم، واتجه الرحيل نحوهم، وشكَّل الحدث من أجسادهم، قلوبهم، عيونهم، أحلامهم، آمالهم، أناشيدهم، وتفتح براعمهم، لوحة بيضاء برَّاقة، تختزن نور الكون، وصفاء الأرض، وأبجديات رحلة مضت نحو ربيع انتشى برقصة بجع، كان فيها الصوت الملائكي ينسكب شلالات لحين تغازل الغسق في رقصة الخلود الأبدي، المتصل والممتد باتجاه رضوان الخالق، وفرات الارتواء:

وحدهن، وجوهن وعتم الطريق

عم يقطعوا الغابة

وبإيدهن متل الشتي

يدقوا، البكي، وهني، على بوابي يا زمان

أطبقت جفنيها، وبدأت حواسها تتخدر، وحركتها تركض نحو الصمت المطبق، فيما استحالت رحلة الحياة والطفولة تتقهقر باتجاه نفق طويل، في نهايته نور يرسم الانعتاق، والسفر نحو عوالم وفضاءات ساحرة، خالية من الألم والوجع التعب والقلق، العذاب والجراح:

يا رايحين وتلج، ما عاد بدكن

ترجعوا

صرِّخ عليهم بالشِّتي يا ديب

بلكي بيسمعوا

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني