
رسالة الكلمة… قياماً وسقوطاً
مضى عام على سقوط نظام الاستبداد الذي قام بتدمير منهجي للدولة، ورأى العالم مشهد الدمار الذي خلفه هذا النظام وآثاره المرعبة التي عصفت بكل مرافق الحياة.
ولكن الدمار الأبشع هو ما كشفت عنه الحريات بعد التحرير فقد تم تدمير بنية المجتمع، وظهرت الصورة الطائفية بأبشع ما تكون، بعد أن قام النظام البائد بحشو الأقليات بفكرة الخوف من الشعب، بناء على فكرة ان الشعب السوري شعب حاقد لا يستحق الحرية وأنه ما إن ينال حريته حتى ينقلب إلى وحش غاضب على الأقليات، وأن مصالح الأقليات تلزمها أن تصطف خلف قيادته خوفاً من تحرر الشعب السوري.
للأسف كانت هذه الفكرة جاهزة في أذهان كثيرين عند سقوط النظام، وقد أسهم الخطاب التكفيري المنفلت في تأكيد ذلك، وتبرع المتطرفون بتوزيع فتاوى غابرة تراكم عليها الغبار منذ سبعمائة عام ولكنها أعيدت إلى التداول تتضمن التكفير بالجملة والإساءة المباشرة للطوائف، وبالتالي ظهر الاصطفاف الطائفي بشكل لم يسبق له مثيل وخلال عام واحد وقعت عدة مآسي قاسية، وعلى الرغم من قيام الدولة بفتح تحقيقات جدية في الانتهاكات ولكن ظروف المشهد وتوابعه إضافة إلى التدخل الإسرائيلي السافر دفع إلى ارتفاع أصوات المطالبة بالانفصال والتقسيم على وجه لم يسمع من قبل.
لا تحتاج هذه المقدمة إلى شروح كثيرة حتى ندرك الواقع الصعب الذي نواجهه، وعلى الرغم من النجاح في السياسة الخارجية والانفتاح الدولي الذي أنجزته الإدارة الجديدة ولكن الواقع في الداخل ما زال يحمل بؤر احتقان خطيرة تتطلب مواجهة حاسمة بعقل وبصيرة.
فهل يقوم قادة الرأي في سوريا بواجبهم في مواجهة هذه التحديات، ومنع تفاقهما؟
إطفاء الحريق الطائفي مسؤولية حكومية ومجتمعية، فالدولة مطالبة بتشريع قوانين صارمة ضد كل أنواع التحريض الطائفي والقومي، وأن تقيم محاكمات صريحة وواضحة ضد كل من ينفخ في الكير الطائفي، مهما كان خطابه مؤيداً للدولة الجديدة، فاحتقار المعارضين عبر التوصيف الطائفي هو عمل غير قانوني وغير مسؤول وسيقدم خدمة مجانية للذين يريدون خراب سوريا.
ومن جانب آخر فإن قادة الرأي مدعوون للقيام بواجبهم في بناء الجسور المجتمعية بين الطوائف، والتأكيد على ما في كل طائفة من جوانب الخير، وما قدمته من قيم وفضائل، والتعريف بالأعلام الفاضلين الذين ظهروا في كل طائفة وقدموا للناس خدمة ومعرفة.
المنشورات التي تتخذ موقفاً سياسياً في التأييد او المعارضة ثم تنخرط في تشويه المختلف طائفياً وقومياً هي ممارسات مجرَّمة قانوناً، وساقطة أخلاقياً، ومرفوضة إنسانياً، وهي لون من تدمير الوحدة الوطنية مهما كانت بواعثها ومهما كان السلوك الخاطئ الذي ارتكبه أبناء هذه الطوائف.
كل تعميم في طائفة او في قومية فهو ضرب من تدمير المجتمع، وسيلقى بكل تأكيد تعميماً تشاتمياً مقابلاً وفق القانون الثالث في الفيزياء لنيوتن: لكل فعل ردة فعل معاكسة له في الاتجاه ومساوية له في القوة.
لا يزال للأسف التطاحن المتبادل على صفحات الفيسبوك وما يوفره من فرص للعابثين والتائهين، والعديمي الأخلاق، يعكس صورة مرعبة على هشاشة التماسك الاجتماعي وإمكانية الدفع نحو الاصطفاف الطائفي والقومي، وبالنسبة لي فأن الخطاب التحريضي سواء كان مؤيداً أو معارضاً فهو خطاب تدميري للمجتمع، وسيؤدي إلى هدم قيم المواطنة والعيش المشترك.
أرجو أن يكون هذا المقال بمثابة ناقوس للخطر ندرك فيه خطورة خطاب التحريض في عصر الانفلات الإعلامي، ووسائله الرهيبة في التأثير على المجتمع، وكلي أمل أن تكون هذه الإشارات كافية لإطلاق حملة تشريعية تكون على رأس اهتمام البرلمان القادم في تجريم خطاب التحريض الطائفي، وخاصة ذلك الذي يستخدم منابر الفضيلة وشعائر الدين، خاصة الذي يقدم نفسه مؤيداً للدولة الجديدة، ويستدعي شعارات وأسماء وألقاباً تقسيمية مستفزة، تنبش الماضي وتستخرج أسوأ ما فيه، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.