دعم المنظمات المفقود وسيدات يرفضن العودة إلى سورية
في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المستمرة في سورية، لا تزال قضية عودة اللاجئين واحدة من أكثر الملفات تعقيداً، خصوصاً بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، ومن بين هذه الفئات تبرز النساء الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن خلال سنوات الحرب، ووجدن أنفسهن يتحملن مسؤوليات مضاعفة في بيئة مليئة بالتحديات.
بالنسبة لكثير منهن لا تمثل العودة إلى سورية مجرد انتقال جغرافي، بل قراراً محفوفاً بالمخاوف، بعضه يتعلق بالأمن والاستقرار، وآخر يرتبط بالوضع الاقتصادي الصعب، إضافة إلى القلق من غياب الدعم الاجتماعي والقانوني الذي قد تحتاجه الأرامل لإعادة بناء حياتهن. كما أن تجربة النزوح الطويلة خلقت واقعاً جديداً لعدد كبير منهن في بلدان اللجوء، حيث أصبح مستقبل أطفالهن واستقرارهم مرتبطاً ببيئات مختلفة عما تركوه خلفهم. وفي ظل هذه الظروف تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة النساء الأرامل على العودة بأمان وكرامة، وما إذا كانت الظروف الحالية في سورية تتيح لهن بداية جديدة، أم أن المخاوف التي تحيط بالعودة لا تزال أكبر من الأمل.
ووفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية التركية وإدارة الهجرة، عاد أكثر من 578 ألف سوري إلى بلادهم في الفترة ما بين انهيار النظام السابق وديسمبر/كانون الأول الماضي، ضمن برنامج العودة الآمنة والمنظمة الذي تشرف عليه أنقرة. حيث ارتفع عدد السوريين العائدين إلى بلادهم من أورفا، وبحسب آخر إحصائية عاد 1345 سورياً إلى بلادهم خلال شهر ديسمبر الماضي، وبلغ عدد السوريين المقيمين في أورفا تحت الحماية المؤقتة 195 ألفاً و437 سورياً، وتأتي ولاية شانلي أورفا بالمرتبة الثالثة بين المدن التي يعيش بها السوريون. الإحصائية شملت فقط من يملك بطاقة الحماية «الكيملك».

وقد تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في مستوى معيشة لائق لضمان الكرامة الإنسانية.
وتؤكد مواثيق حقوق الإنسان، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حق كل إنسان في مستوى معيشي لائق يشمل الغذاء والسكن والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، وهو ما يواجه تحديات كبيرة بالنسبة للنساء الأرامل في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
تعيل والدتها وأطفالها الأيتام
تتردد السيدة نورا العفات بالعودة إلى سورية، حيث فقدت زوجها في الحرب، ولديها طفل عمره أحد عشر عاماً وطفلة 9 سنوات. تضيف السيدة نورا أنها لا تملك راتباً ولا بيتاً ولا معيل لها، فوالدها متوفى وأخوها مصاب حرب، وابنها لا يزال صغيراً على العمل.
تقول السيدة العفات إنها تتلقى مساعدات من جمعيات ومنظمات تُعنى بالأيتام، وتقدم لها كفالات تعليمية لأطفالها، وتعيل والدتها المريضة. بالمقابل تحصل على مساعدات من الهلال الأحمر لقاء وضعها الاجتماعي.
وتضيف السيدة نورا إنها لن تجد هذه المساعدة في سورية، لذلك لن تعود إلى سورية.
يرفضن العودة إلى سورية
لا تختلف قصة هند حربا التي تخلى عنها زوجها مع ثلاثة أطفال عن قصة نورا فهي ترفض العودة إلى سورية في ظل الظروف الاقتصادية السيئة حسب ما تتابع على مواقع التواصل، فهي أم لطفل معاق عمره 12 سنة وبنت 6 سنوات وبنت 4 سنوات، وطلقها زوجها وعاد إلى سورية ليتركها وحيدة مع أطفالها.
هند من محافظة اللاذقية وليس لديها أقارب في أورفا.
وتضيف السيدة هند أنها تحصل على مساعدة من الهلال الأحمر بسبب إعاقة ابنها حمزة بالإضافة لمساعدة عائلية وتتلقى بعض المساعدات من جمعيات خيرية.
لا تستطيع السيدة هند العودة الى سورية لأنها لا تملك منزلاً أو عملاً حيث فقدت تعينها الوظيفي في بداية الحرب بسبب مغادرتها لأن زوجها كان مطلوباً.
وحسب ما تقول استقرت هند في مخيمات تركية على الحدود السورية واليوم تعيش مع أطفالها في ولاية شانلي أورفا.
العودة من أجل المستحقات المالية والتقاعد
التقينا السيدة نصرة العبدالله التي عادت الى سورية بعد التحرير بأشهر قليلة، وهي أرملة تقول: إنها عادت إلى سورية متأملة في الحصول على المستحقات المالية، والراتب التقاعدي لزوجها المتوفي والمتوقفة منذ 13 عام حتى اللحظة.
وتضيف أنها تتلقى فقط الوعود من مؤسسة التأمينات والمعاشات بحل الأمر قريباً.
سكن الأرامل وتوقف الكفالات
تتشابه قصص السيدات اللواتي فقدن أزواجهن في ظروف الحرب ولكن يبقى لكل منها ظروفها الخاصة.
براءة العيد أم لست أطفال تعيش في سكن للأرامل يتبع إحدى الجمعيات التي تعنى بالأيتام في أورفا (جمعية زمزم).
تقول السيدة براءة: «إنها كانت سعيدة الحظ عندما حصلت على سكن مجاني في إحدى الجمعيات وأنها تعتمد في معيشتها على كفالات الايتام التي تقدمها بعض الجمعيات لأطفالها».
وتضيف: «أغلب الكفالات توقفت إما بانتهاء مشروع الجمعية أو نقل نشاط المنظمة إلى سورية أو مشاكل تحويل بنكية حسب قول مدير الجمعية».
وتتابع: «أنها تتعرض لتساؤلات يومية من أبنائها حول العودة الى سورية، وخاصة بعد عودة الكثير من أقاربهم وأصدقائهم وهي في حيرة من أمرها في هذه الخطوة فقد توفي زوجها على طريق الهجرة أثناء بحثه عن خيار حياة أفضل لعائلته».
وأضافت: «أنها فقدت منزلها في الحرب ووظيفة زوجها ولا تزال السيدة براءة مترددة في العودة بعد سماعها عن عدم وجود جمعيات، ومساعدات كافية لفئة الأرامل في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها سورية بعد الحرب».
المساعدة المشروطة بوثائق ثبوتية
تضيف السيدة العبدالله: «أنها استعجلت في العودة إلى سورية وأنها حتى اللحظة لم تستطع استخراج شهادة وفاة لابنها الذي استشهد في سورية منذ بداية الحرب».
وتبيّن: «أنها لم تحصل على مستحقات ابنها الشهيد الذي انشق عن وزارة الدفاع وأن أمورها كانت أفضل في تركيا فقد كانت تحصل على مساعدات من الجمعيات والمنظمات وتضيف بأنها تقدمت إلى إحدى الجمعيات التي تعنى بالأيتام من أجل المساعدة بعد حصولها على ورقة من مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل ولكن الجمعية رفضت تقديم الدعم لعدم وجود شهادة وفاة».
وتقول العبدالله: «إن استكمال الأوراق الثبوتية يحتاج إلى محام وهي عاجزة عن دفع تكاليفه بسبب وضعها الاقتصادي، وكانت تظن أن الامور ستكون أفضل بحصولها على مستحقات زوجها وراتبه».
تركيز دعم المانحين على الداخل السوري
التقينا المهندس إبراهيم إبراهيم، مدير جمعية شام للأيتام في أورفا، الذي قال: “إن مشروع كفالة سكن الأرامل سينتهي بشهر تشرين الأول القادم، وعلى الأغلب سيتوقف”.
ويضيف السيد إبراهيم: “نقدم بعض المساعدات حالياً ولكن بشكل أقل مما سبق، لأن تركيز الجهات الداعمة والمانحين على الداخل السوري”.
في الختام تظهر مخاوف النساء الأرامل من العودة إلى سورية تعقيدات الواقع الذي يعشنه، حيث تتقاطع عوامل الأمان الشخصي والاجتماعي مع التحديات الاقتصادية والنفسية. فالأرامل اللواتي فقدن أزواجهن وأصبحن مسؤولات عن أسرهن يواجهن مخاوف حقيقية تتعلق بالحماية والاستقرار وحقوقهن في المجتمع.
تحتاج هؤلاء السيدات لوجود بيئة آمنة وداعمة، بما يشمل حماية قانونية وإمكانيات اقتصادية ورعاية اجتماعية ونفسية، وتمثل خطوة أساسية نحو تمكين هؤلاء النساء من إعادة بناء حياتهن بكرامة وثقة. ومن هنا يصبح تعزيز دور المجتمع الدولي والمحلي في تقديم الدعم المستدام أمراً محورياً لتخفيف المخاوف وتمكين الأرامل من اتخاذ قرارات العودة بشكل واعٍ ومدروس.
«تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR“»