
حول مجلس الشعب الجديد
يفترض أن يقرا القارئ هذا المقال وقد تم الإعلان عن أعضاء مجلس الشعب الجديد الذي تم عبر هيئة ناخبة تسميها لجنة حكومية تختار الثلثين ثم يقوم الرئيس نفسه بتسمية الثلث الثالث.
وعلى الرغم مما شاب هذه العملية الانتخابية من لاءات محبطة توالى على تقديمها في الإعلام أعضاء الهيئة الانتخابية العتيدة: لا لمن لم يشاركنا ثورتنا، لا لمن سكت عن مظالمنا، لا لمن خدم في النظام السابق، لا لمن يطالب بإدارة ذاتية، لا لمن يطالب بإقليم، لا لمن لم يسلم سلاحه، لا لمن زيف الوعي، لا لمن له ارتباط خارجي، إلى آخر اللاءات.. وبالطبع فإن كل لا من هذه اللاءات تمنح الهيئة حق استبعاد نصف السوريين وهذا ما فعلته بالضبط، وباتت صفحات الفيسبوك المكتومة والمسربة هي الدليل الأقوى حسماً في غمار هذا الاختيار الرهيب.
في الواقع لم تشهد سوريا برلماناً حقيقياً منذ أن ألغي البرلمان 1958 بعد حل عبد الناصر للأحزاب والمؤسسات البرلمانية، وهو للأسف ما تابعه حزب البعث بطريقة التفافية مدة واحد وستين عاماً دون توقف.
الانتقائية والاصطفائية هي الأمر نفسه الذي عانت منه المجالس السابقة التي كانت أيضاً تخضع لأسلوب إقصائي، ولم تكن مجالس نموذجية، وكانت هناك باستمرار مطالبات من أحرار الثوار بمقاطعتها ورفض المشاركة فيها باعتبارها مسرحيات وتمثيليات، ومزهريات تحتاجها السلطة ثم تركلها دون أي اعتبار.
في مجالس الشعب القديمة كان التغوّل المخابراتي قاهراً للنواب، وكان كثير من الأحرار يعتبر النواب عملاء ومتخاذلين حين قرروا العمل مع الواقع، وكانوا يطالبون باستمرار بالغضب والثورة، وقد شهد المجلس بالفعل عدداً من ضعفاء النفوس الذين كانوا يبررون كل ظلم ويصفقون لكل استبداد.
ولكن المجلس شهد أيضاً عدداً من الأحرار الذين استطاعوا أن يوفروا مساحات للاحتجاج والحركة والعمل، وباتوا يحرجون السلطة في خياراتها التعسفية، وبالتأكيد فإن هؤلاء النواب الأحرار دفعوا أثماناً غالية ولكنهم كانوا يمارسون ضمائرهم ويدافعون عن الحقيقة.
لقد خدمنا في مجلس الشعب السوري ورفعنا الصوت الممكن، وتجاوزنا كل الخطوط الحمراء، ولم ننفصل إلا عندما تأكدنا من إرادة البطش الدموية، وهي التي ظهرت في حكم الإعدام بالقرار الصادر عن محكة الإرهاب، وبات من الواجب أن تسلم بروحك على حد قول موسى عليه السلام: (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين).
ويجب القول إن نواباً آخرين كانوا أقل اندفاعاً ولكنهم لم يكونوا أقل حباً لوطنهم، ودفاعاً عن حقوق الناس ولكنهم اختاروا الممكن في الزمن الصعب، ومع أنهم لم يكونوا أبطالاً ولكنهم يستحقون الاحترام لأنهم لم يقبلوا أبداً أن يشاركوا بكلمة الباطل، ونجحوا في مواعيد ممكنة أن يرفعوا صوتهم بكلمة الحق.
لقد قمنا بالانشقاق عن السلطة بعد دخول السلطة في حمامات الدم وفشلها في الوصول إلى حلول سلمية مع الناس، ولكنني مع ذلك لا أعتبر الزملاء الذين لم ينشقوا أشراراً، ولا متآمرين، لقد فعلوا ما بوسعهم، وهناك نواب رجال نجحوا في تحرير مئات من المعتقلين بدون حق، والذين كان يمكن أن يفقدوا حياتهم لولا الدور الإيجابي الصامت لعدد من النواب الشجعان.
المجلس اليوم مرتب محسوم، وفيه بكل تأكيد إقصائيون لا يحملون احتراماً لكل الأمة السورية، ويبشرون بحروب جديدة، وسيدفعون بالتشريع نحو خيارات إقصائية تمييزية، ولكن مواجهة ذلك لن تكون بالعكوف في الزاوية وإطلاق حملات التخوين والاتهام والتسخيف، بل بمواجهة هذه الأوهام بخطاب يعتمد لغة القانون والحق.
إنني أعوّل على الإرادات الطيبة لكثير ممن وصلوا إلى هذا الاستحقاق بالسيناريو المرسوم، وأعتقد أن المجلس لن يخلو من مائة شخصية جيدة، باتت جزءاً من حركة التشريع السورية وبات من واجبها أن تعمل بإخلاص وجد لتوسيع الديمقراطية ومحاصرة القوانين الإقصائية، والدفع بقوانين إيجابية حقيقية تنعكس على الشعب السوري في قيم العدالة والحرية.
السياسة فن الممكن، ونحن لا نتحدث عن برلمان سويسري، ولكنني أدعو للتعامل الإيجابي مع المرحلة، ولا أشك أنه سيكون داخل المجلس أصوات قوية ضد التمييز والإقصاء والظلم.
لقد تعبت الناس من الحرب، ومن المؤكد أن الوصول إلى مؤسسات حقيقية يحتاج إلى ظروف معقدة غير موجودة، ولكن البناء على الإيجابي قد يحملنا إلى مكان أفضل، ولدي قناعة وثقة بعدد من الأصوات النبيلة التي وصلت إلى مجلس الشعب وعلينا أن نكون دوماً عوناً لهم وسنداً وظهراً فيما يطرحون من قضايا البناء والتنمية والتوقف عن لغة الحقد والكراهية والانتقام.
قد لا يبدو دور النائب مؤثراً في هذه المرحلة، ولكن دعونا لا نفقد الأمل، والتغيير الفعال هو ذلك الذي يأتي عن طريق التفاعل السلمي والوطني، أما التغيير بالدبابة والمدفع فقد أنجز مليون ضحية بين قتيل ومعاق ومفقود، وتسبب في وطن مدمر لن يخرجه من أزمته وقهره إلا حلم الله.