
تربية الأطفال.. دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في بناء طفلٍ متوازن نفسيّاً
تلعب الأسرة والمدرسة والمجتمع دوراً حاسماً في بناء الطفل نفسيّاً وعقليّاً بصورة متوازنة من خلال عملية تقديم الرعاية والتنشئة والتوجيه منذ سن الولادة حتى سنّ البلوغ.
وفي هذه المرحلة متعددة الأطوار تلعب الأسرة دوراً رئيساً في عملية البناء النفسي والعقلي للطفل، إذ إن الأسرة هي اللبنة الأساسية في هذه العملية من حيث توفير احتياجات الطفل الأساسية مثل الغذاء والصحّة والسلامة، إضافة إلى دورها في تنمية قدراته العقلية والاجتماعية والعاطفية والأخلاقية، وهدف ذلك الحصول على فردٍ مسؤول ومستقلٍ وقادرٍ على التكيّف مع مجتمعه.
وتلعب المدرسة دوراً مكمّلاً ومعززاً لطور التربية الأسرية مع إضافة دور تنظيمي لقدرات الطفل النفسية والعقلية من خلال القيم التي تزرعها هذه المؤسسة إضافة إلى ما زرعته الأسرة من قبل.
إن أول القيم التربوية التي يجب زرعها في ذهن الطفل وبنيته النفسية هي تعزيز ثقة هذا الطفل بنفسه واحترامه لذاته، وهذه القيمة تنشأ من إحساس الطفل ماديّاً ونفسيّاً بالحب والاهتمام من قبل والديه منذ نعومة أظفاره، هذا الإحساس يتولّد من خلال تشجيعه على القيام بأفعال تناسب عمره، وفي الوقت ذاته تجعله مسؤولاً عن تنفيذها بقدراته الممكنة التي يمكن تدريبها على ذلك.
إن مخاطبة الطفل بعد قيامه بالفعل الموكل إليه بلغة الثناء والمدح تجعله يكون مستعداً لتطوير مهاراته ومراكمتها مع مرور الوقت.
وينبغي الانتباه أثناء تشجيع الطفل على المبادرات، فهو أولاً طفلٌ اجتماعيٌ يعيش وسط أسرة ومدرسة ومجتمع، وهذا يعني أن يدخل في وعيه أنه فرد اجتماعي، أي أنه فردٌ يشارك الأخرين في العمل والمناقشة واللعب والتعاون، وهذا يلبي حاجاته الاجتماعية أولاً وينمّي قدراته العقلية من خلال ترسيخ قيم المشاركة والمحاسبة على الأفعال المسيئة لمحيطه الاجتماعي، وفي الوقت ذاته تبرز القيم الإيجابية أمامه بأهميتها من خلال المديح والثناء على افعالٍ نجح في تأديتها، أو من خلال مبادرات إيجابية بمساعدة اقرانه في أمور إنسانية أو عملية.
إن غرز قيم المشاركة والتعاون يساعد على تعزيز النمو النفسي الإيجابي، وبالتالي يجعل الطاقة النفسية العملية لهذا الطفل في موقع النمو المستمر الإيجابي والمثمر.
إن الطفل الذي تتمّ تربيته على احترام الآخر والقيم الأخلاقية والجمالية في المجتمع، يكون قد اكتسب مهارة التكيّف ومواجهة المشكلات الناجمة عن الحراك الاجتماعي، وهذا يمكن مباشرته عبر تعليمه إن الإصغاء إلى حديثه يتطلب منه تعلّم الإصغاء إلى حديث الآخرين، وهذا لا يعني الموافقة على هذه الأحاديث بل فهم المراد منه، وتقرير مدى قبوله لها وتماثلها مع وعيه الاجتماعي المكتسب.
إن الاحترام قيمة كبرى، ونقصد هنا احترام الآخر سواء كان الآخر هو الأب أو الأم أو المعلّم أو زميل المدرسة أو الأخوة في البيت والرفاق في الحي.
الاحترام يشمل تعليم الطفل الاعتذار عن أي خطأ سلوكي حيال نفسه أو المجتمع، ولهذا يكون الصدق قيمة عظمى يجب بيان أهميتها لدى الطفل، فهي تخلق لديه الشجاعة على مراجعة أفعاله ومدى إيجابيتها الاجتماعية أو مقدار ضررها على المجتمع، وهذا يدفع باتجاه التراجع عن الخطأ أو الدفع بتعميق الإيجابيات.
إن قيام الأسرة ثم المدرسة بتنمية القدرات العقلية لدى الطفل تساعد على تطوير قدراته في استخدام الذكاء، فالذكاء ليس حالة تتعلق بسرعة الفهم العلمي والإجابة على الأسئلة أو طرح فكرة، بل يجب أن يشمل الذكاء سرعة فهم مشاعر الأقران إضافة إلى عدم إيذاء الآخر كالأم أو الأب أو المعلّم باستخدام لغة لا تتناسب واللحظة التي يضطر الطفل للتعبير فيها عن مشاعره حيال كل هؤلاء.
إن تربية الطفل هي مهمة مجتمع بأكمله، ولذلك تبقى التربية القسرية والتسلطية نموذجاً سيئاً في البناء النفسي والاجتماعي للطفل، وكذلك التربية العكسية من التسلطية، فهي الأخرى لا تعزّز القيم الأخلاقية والعقلية للطفل، لأنها تتساهل مع أخطائه، وبالتالي تشجّعه على المضي بهذه الأخلاق السيئة إلى أبعد من ذلك.
إن خلق لغة تشارك وتعاون هو من الأخلاق التي يجب أن تربي الأسرة طفلها عليها، وكذلك تلعب المدرسة دوراً في تنميتها وتطويرها. وهذا يفتح أبواب المشاركة الفاعلة ويلغي باب التلقين والفهم القسري. sweeney sydney
والسؤال الهام الذي يجب طرحه على مجتمعنا السوري بعد سقوط نظام الإبادة: هل ستنحو القواعد التربوية في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية هذا المنحى، أم أنها ستبقى أسيرة اجتهادات مختلفة لأفراد يتفاوتون بمقدراتهم التربوية؟