بين الوهم والنظام: قراءة فلسفية في الشرعية والسلطة في العالم العربي
في قلب الفوضى السياسية التي تعصف بالعالم العربي، يبدو أن كل شيء يتحرك، ولكن لا شيء يتغير حقاً. تتبدّل الوجوه، تُعاد صياغة الشعارات، وتُختلق نظم جديدة، ولكن الجذر الفلسفي للأزمة يظلّ على حاله: ما الدولة؟ ما الشرعية؟ ما السلطة؟ وما الذي يجعل النظام نظاماً؟
الدولة: الكيان الذي لا يُسأل
الدولة، كما عرفها هوبز، هي “الوحش الضروري” الذي يضمن للناس الأمن مقابل طاعتهم. لكن في منطقتنا، أصبحت الدولة كياناً بلا عقد. ليست نتاجاً لتوافق حرّ بين أفراد، بل إرثاً مقدّساً يُفرض بالقوة، وتُؤسس شرعيته على “خوف الجماعة من الفوضى”، لا على “رضا الجماعة عن العقد”. إنها دولة لم تأتِ من الناس بل جاءت عليهم، وعبرهم.
السلطة: من يحكم؟ ولماذا؟
السلطة هنا لا تُمارَس من أجل تحقيق الخير العام، بل من أجل بقاء السلطة ذاتها. والسلطة التي تسعى فقط لتأبيد وجودها، تفقد مضمونها الأخلاقي. لم تعد السلطة وسيلة لتنظيم المجتمع بل غايةً لاحتكار كل أدواته: التعليم، الإعلام، القضاء، المال، وحتى التاريخ.
الشرعية: الغائب الذي نحمله جميعاً
الشرعية، التي يفترض أن تكون نابعة من “الرضا العام” و”المشاركة في القرار”، أصبحت تُفصّل كما تُفصّل الدساتير في غرف المخابرات. وإذا كانت السلطة بلا شرعية، فإن طاعتها ليست واجباً مدنياً بل خضوعاً قسرياً.
السؤال الحقيقي ليس “من يحكم؟” بل “بأي حق يحكم؟”.
المعارضة: وظيفة أم مشروع؟
المعارضة في الفلسفة السياسية هي ضرورة لحيوية الدولة. إنها الوجه الآخر للمشاركة. لكن حين تُختزل المعارضة إلى حالة وظيفية ضمن هندسة النظام، فإنها تفقد دورها التاريخي كأداة لتصحيح السلطة أو حتى استبدالها. تصبح المعارضة جزءاً من النظام لا نقيضاً له، ديكوراً في مسرحية الشرعية.
الثورة: متى تُصبح لعنة؟
الثورة في أصلها رفضٌ جذري للعقد الفاسد. لكنها تتحول إلى كارثة حين تُختطف من قبل قوى لا تسعى إلى عقد جديد، بل إلى حكم جديد بنفس أدوات الحكم القديم. في غياب تصور فلسفي واضح لماهية الدولة والسلطة والشرعية، تصبح الثورة مجرّد قطيعة زمنية لا تولّد نظاماً جديداً، بل تعيد إنتاج الفوضى باسم التغيير.
الهوية: من نحن وسط هذا الركام؟
حين تفشل الدولة في بناء عقد مشترك، يصبح الناس عرضةً لتفتت الهويات: دينية، طائفية، عشائرية، مناطقية. فالدولة التي لا تعرّف نفسها كمواطنة، تفتح الباب لتعريفات أخرى أكثر بدائية. ليست الهوية أزمة ذات، بل أزمة غياب مشروع وطني يتسع للجميع.
العقد الاجتماعي: الغائب في السرديات الرسمية
ما يجمع الناس بدولة ما، ليس القوة ولا الجغرافيا، بل شعورهم بأنهم جزء من قرارها ومصيرها. في العالم العربي، هذا العقد إمّا مفقود أو مزيف. الكل يتحدث باسم الشعب، ولكن لا أحد يعرف من هو هذا “الشعب” إلا عبر أجهزة الإحصاء أو عناوين النشرات.
المصلحة العامة: الأسطورة الأكثر تداوُلاً
كم من الجرائم السياسية والاقتصادية ترتكب باسم “المصلحة العامة”؟
تلك العبارة التي لا يملك أحد تعريفها، لكنها تُستخدم لتبرير كل شيء: من قمع الحريات إلى نهب الثروات. في الحقيقة، المصلحة العامة هي مصلحة من يملك السلطة، ما لم تكن هناك مشاركة حقيقية في تحديدها.
من هنا نستنتج أنه بين النظام والعدالة ليست المشكلة في النظام وحده، بل في تصوّرنا عنه. هل النظام هو تنظيم القوة أم ضبطها؟ هل الدولة حامية أم غاصبة؟ هل السلطة أداة أم كائن له حياة؟ الإجابات لا توجد في غرف الحكام، بل في عقول الناس. في وعيهم بأن الشرعية ليست صفة تُمنح، بل عقد يُنتزع.