الهجري وتيّاره ومشروعهم الانفصالي إلى زوال

0

أنس الحراكي

الشيخ حِكمت الهجري هو كبير مَن يُعتبرون شيوخ العقل لدى الطائفة الدرزية في سورية، أي أنه ليس هو الوحيد بل هناك شيوخ عقل غيره ويناهزونه بالمرتبة.

ولكن الشيخ الهجري قد برز وانتشر اسمه وتصريحاته بشكل ملفت من خلال تقديم نفسه ممثلاً عاماً ومطلقاً للمكوّن الدرزي في سورية، ومطالبته بانفصال المنطقة التي يتكاثف فيها هذا المكوّن، وهي محافظة السويداء، انفصالها عن سورية واستقلالها وإنشاء دويلة خاصة بالطائفة، وقد استطاع الهجري تشكيل تيّار قوي في أوساط الطائفة من الناشطين والمساهمين والمعاونين له، وقد التفّ حولهم حاضنة شعبية.

وبالتأكيد أنه قد تم استغلال واستثمار حالة أن الشيخ حكمت الهجري شيخ العقل وله مكانته في الطائفة، وذلك سواء من جانبه أو من جانب الداعمين له.

ولقد أصبحت أطروحة ومطالبات الهجري مشروعاً انفصالياً، وصار هذا المشروع يتأرجح بين الشدّ والجذب، وبين العوامل التي تدعمه وتؤيده وتطلق باعه والعوامل المقابلة التي تمانعه وتحجّمه وتخفض سقفه، فأصبح يتقلّب بين وضوح الانفصال وضبابية الحكم الذاتي وخدعة وتمويه اللامركزية.

ولقد اهتم معظم السوريين بهذا المشروع وتابعوه في مختلف أحواله وتقلباته، مما يدفع بسؤال صارخ حول مصير ومستقبل مشروع الهجري الانفصالي بكامل أبعاده وآفاقه وعقابيله؟

إن هذا المشروع الانفصالي بكامل ومختلف مطالباته وأطروحاته ومرافعاته قد تأسّس وتم إطلاقه بعوامل خارجية وداخلية متداخلة، ولذلك فإن مصير ومستقبل هذا المشروع مرتبط ومرهون بقوة وبتوجه هذه العوامل:

1- لقد حصلت إسرائيل على تفويض مرحلي من كبار اللاعبين الدوليين للّعب والنشاط داخل الملعب السوري، ولقد سعت إسرائيل بكل قوّتها لكي تجعل سورية الجديدة في وضع وحالة من الضعف والتشرذم والارتباك يغني إسرائيل عن وظيفة وخدمات النظام الطائفي المخلوع، فدعمت إسرائيل مشاريع انفصالية هندسها اللاعبون، وقد ركّزت إسرائيل اهتمامها في جنوب سورية، وقد توافر لها المكان الأكثر قابلية للترغيب والإغراء بخدعة الانفصال والأدوات الأكثر سهولة وانقياداً للتنفيذ وعلى رأسها الهجري.

وانتشرت التصريحات والتحليلات والإشاعات بوقوع الانفصال، مما دعم المشروع وأمدّه بالحاضنة المؤيدة.

2- لقد تسارعت الأحداث، وخاصة بوجود معطىً ضخم وهو الحرب في أوكرانيا، ولقد تبلورت المستجدات في سورية، واتضحت الطرق نحو الاتجاه الذي يضمن أكبر مصالح ممكنة ومشتركة لجميع اللاعبين والمؤثرين.

3- لقد اتضحت أهمية سورية بموقعها الجغرافي وأنها سوف تكون هي الممرّ ومحور الربط بين الغرب والشرق والشمال والجنوب.

ومن خلال سورية ستكون طرق النقل البرّي التجارية، وعبر سورية سوف تمرّ أنابيب النفط والغاز العربي نحو تركيا وأوروبا، ولن يكون هناك غنىً عن سورية وموقعها في مجال خطوط الإنترنت، كما أن سورية تجاور وتحدّ تركيا، وتتاخم الكيان الإسرائيلي، وإنه لجميع ما ذكرناه من نقاط وما يترتب عليها من مقتضيات، فقد كان الخيار الأفضل والأرجح لكبار اللاعبين هو الحفاظ على سورية الجديدة موحّدةً لا انفصال عليها، ومستقرّةً لا فوضى فيها، وآمنة بشكل يسمح بالتعامل معها.

4- ولقد تمّ الاتفاق بين القوى الفاعلة على إخماد وتعطيل مشروع كردستان الانفصالي، وقبلُ تمّ استبعاد أي شكل من أشكال الانفصال أو حتى الحكم الذاتي بما يتعلق بالطائفة العلوية في مناطق يتكاثف فيها وجود جماعاتها، لأن لهذه الانفصالات تأثيرات حادة تتجاوز الجغرافيا السورية.

5- ولقد تقرّر إنهاء مشروع الهجري وفكرة انفصال محافظة السويداء بشكل تام ونهائي، وبالتأكيد كان لإنهاء ومنع انفصال كردستان والطائفة العلوية كبير الأثر على تيار الهجري ومشروعه وحاضنته ومؤيديه.

6- وتجدر الإشارة هنا إلى أن انفصال الطائفة الدرزية واستقلالها في دويلة جنوب سورية أمر يرفضه اللاعبون الكبار، وذلك أولاً – لأنه سوف يصبح مجرّد كيان يستوجب المساعدة لاستمراره، لأنه لن يستطيع الاكتفاء الذاتي، ثانياً – إن وجوده منفصلاً سوف يزعج بعض الدول العربية الحليفة، ثالثاً – إن دعم انفصاله بكل تبعاته سيكون دون أي جدوى.

7- لا ينبغي لعقلاء الطائفة الدرزية التعويل على التأييد الإسرائيلي الذي بدا حازماً لتنفيذ الانفصال، وذلك أولاً – لأن القرار النهائي والحاسم ليس لإسرائيل بل هو للقوى التي أنهت واستبعدت مشروع كردستان وقسد، رغم أنه كان لديه من القوة والأوراق والجدوى ما يفوق مشروع الهجري بكثير، ثانياً – لأن إسرائيل لم يعد لديها من المبررات لترجيح الانفصال، وذلك ببساطة لأن وضع سورية الحالي ووفق المدى المنظور لا يشكل أي تهديد لإسرائيل وأمنها المزعوم.

لذلك فإن مشروع حكمت الهجري الانفصالي إلى زوال وليس له أي فرصة بالاستمرار.

ولكن قد يحاول الانفصاليون والدهاقنة الداعمون لهم الحصول على أكبر قدر ممكن من المكتسبات والأوراق للتعويض عن خسارة المشروع بذاته، وإننا نهيب بالمعنيّين والمسؤولين للتصدي لأي محاولة خداع أو التفاف ومنعها بشكل حازم وجازم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني