
أصيب كثير من النخب السياسية والفاعلين في منظمات المجتمع المدني بإحباط شديد حيال الوضع العام في سوريا بعد مرور ستة أشهر على سقوط نظام الإبادة الأسدي، وفق تصريحات لكثير من العاملين بالشأن العام.
نينار برس حاورت السيدة سوسن أبو رسلان وهي ناشطة في المجتمع المدني وسياسية تهتمّ بقضايا حقوق الإنسان والتواصل اللاعنفي ودعم المغتربين.
نينار برس
لا تزال سوريا تحتاج لترسيخ استقرارها الداخلي إلى عوامل داخلية وخارجية باتجاه إنجاز مهام المرحلة الانتقالية.
ألا ترون إن سياسة تشجيع الإيجابيات ونقد السلبيات إزاء العهد الجديد ذات جدوى أكثر من معارضته؟ أليس هناك احتمال لعودة القوى المعادية للثورة السورية إلى الحكم وارداً إذا تمّت محاولة إضعاف العهد الجديد؟
نحن مع النقد البنّاء
تجيب السيدة سوسن أبو رسلان المقيمة في النمسا والعاملة في مجال المساعدة الاجتماعية:
بصراحة، كنت شخصياً أتبع سياسة تشجيع الإيجابيات ونقد السلبيات، خصوصاً في الأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية. كنت أظن أن القوى الجديدة قد تكون صمام أمان لسوريا، وأن هناك أملاً بإكمال مشروع ناضج ومدني.
لكن بعد مجازر الساحل وخيبة الأمل في الإعلان الدستوري، تغيّرت قناعاتي بشكل كبير.
أصبح واضحاً لي كيف يتم خلق “عدو وهمي” لتثبيت الحكم، وهي لعبة معروفة تستخدمها السلطات لإلهاء الناس عن المطالب الحقيقية: العدالة، المحاسبة، الدستور، والمساواة.
أنا لست مع الهجوم الأعمى، ولا مع منح الثقة المطلقة. النقد البنّاء والمتابعة الدقيقة أمران ضروريان. لا بدّ من وجود محاسبة بالتوازي مع أي عملية بناء حتى تكون شفافة وجدية.
نينار برس
تفتقر القوى الديمقراطية السورية عموماً إلى إطار عملٍ تحالفي تنتظم فيه لمواجهة استحقاقات المرحلة الانتقالية
نحن بحاجة إلى هندسة سياسية جديدة
تقول السيدة سوسن أبو رسلان في إجابتها على سؤالنا الثاني:
بالتأكيد، فشل القوى الديمقراطية في إثبات وجودها هو من الأسباب الرئيسية لما نعيشه اليوم.
بصراحة، التجمعات السابقة مثل “الائتلاف” فقدت مصداقيتها تدريجياً في عيون الناس، ولم تتمكن من تقديم بديل حقيقي عن سلطات الأمر الواقع، لا القديمة ولا الجديدة.
السؤال نفسه، بصيغته، ينطوي على تحميل القوى الديمقراطية كامل المسؤولية، وكأنها سبب فشل الثورة، وهو منطق سمعناه مراراً على شكل: “ماذا قدّمت السياسة؟” وكأن البديل الوحيد هو العمل العسكري.
علينا أن نكون واضحين: وصول بعض الفصائل للسلطة، مثل هيئة تحرير الشام، لم يكن نتيجة نضال ديمقراطي، بل جاء بتسهيلات وصمت دولي، وكانت أولويات الخارج معروفة منذ البداية.
وإن كنا نرفض الاستبداد كأساس للتغيير، فبالرغم من أنني لا أعترض على هروب نظام الأسد باعتباره أفضل ما حدث منذ عقود، إلا أنني لست فرحة بوصول النصرة إلى السلطة.
لذلك نحن بحاجة إلى هندسة سياسية جديدة، تعتمد على حوار طويل وعميق، لبناء قوى ديمقراطية جديدة قادرة على كسب ثقة الشارع السوري ولعب دور فاعل في المرحلة المقبلة.
نينار برس
يبدو إن العهد الجديد وحكومته الانتقالية تستجيب لضغوطات الغرب من أجل مزيدٍ من الانفتاح، وإن موقف الولايات المتحدة وأوربا برفع العقوبات يجد قاعه عند هذه الاستجابة.
ما البرنامج السياسي الذي يجب أن يعمل عليه تحالف القوى الديمقراطية لتعميق الانتقال إلى دولة مواطنة ومؤسسات قانونية؟ ألا يجب أن تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً في تعميق هذا الانتقال؟ وكيف؟
السلطة الحالية تركّز على الخارج أكثر من الداخل
في إجابتها على سؤالنا الثالث تقول السيدة سوسن أبو رسلان:
من البداية لاحظنا أن السلطة الحالية تركّز على الخارج أكثر من الداخل، وتسعى لكسب الدعم الدولي بدلاً من الاستماع لمطالب الناس داخل سوريا.
وهذا التوجه خطير، لأنه يكرر نفس عقلية الأنظمة السابقة التي تبحث عن شرعية خارجية بدلاً من شرعية حقيقية نابعة من الشعب.
الضغط الدولي لا يأتي حباً بنا، بل لخدمة مصالح الدول نفسها، وكسوريين لا يجب أن نعلّق آمالنا على المجتمع الدولي. جربنا ذلك طيلة الثورة وكانت النتائج مؤلمة.
لهذا أؤمن أن المجتمع المدني هو العمود الفقري لبناء دولة المواطنة والديمقراطية.
يجب أن يكون تفعيل المجتمع المدني وتقويته من أولويات القوى الديمقراطية، لأنه هو من يعكس صوت الناس ويخلق التوازن المطلوب.
نينار برس
الغائب الفاعل في معادلة الانتقال السياسي في سوريا هو دور المرأة السورية الذي لا يزال أدنى من المطلوب رغم وجود منظمات وحركات سياسية نسوية.
كيف يمكن توظيف طاقة النساء المهدورة في توسيع مشاركتها السياسية والعامة في صناعة القرار الوطني؟ أليس هذا الدور منوط بقوى التغيير الديمقراطية؟
لا يزال دور المرأة شكلياً
تجيب السيدة سوسن عن سؤالنا الأخير فتقول:
بكل وضوح، لا يزال دور المرأة السورية دون المستوى المطلوب، وغالباً ما يُطرح بشكل شكلي أو تجميلي في صور السلطة الجديدة، كنوع من “البرستيج”، لا عن قناعة حقيقية بالشراكة.
وهذا مؤسف، خصوصاً إذا تذكرنا مكانة المرأة السورية عبر التاريخ، ودورها المشرف في ثورة 2011، وفي ساحات الاحتجاج. دعني هنا أُنوّه بالدور المهم، والحضور الطاغي والملهم، الذي قامت به المرأة في حراك السويداء السلمي، والذي استمر لعامين حتى اليوم.
وتضيف السيدة سوسن أبو رسلان:
أنا أؤمن أن المرأة السورية عظيمة، ولم تتراجع يوماً عن حقها في النضال والمشاركة السياسية والعامة.
لا يمكن الحديث عن مساواة أو ديمقراطية فعلية دون تفعيل حقيقي لدور المرأة، بعيداً عن الشكلية.
وتحقيق هذا الهدف هو مسؤولية جماعية، وتقع على عاتق قوى التغيير الديمقراطي في المقام الأول.