العلاقات السورية التركية.. تعميقها ضرورة لاستقرار سوريا ومنع تقسيمها

0

قبل الحديث عن أهمية العلاقات بين سوريا وتركيا ينبغي الحديث عن وضع المنطقة العربية في غرب آسيا “دول العرب الشرق أوسطية”، فالحديث عن هذه المنطقة الهامة استراتيجياً على المستوى العالمي، يكشف عن وضعها البنيوي، إذ تفتقد هذه الدول “التي تجمعها وحدة الدم والتاريخ واللغة والمعتقدات المشتركة” لمشروع نهوض تنموي يعتمد على قدراتها مجتمعة، وهو أمر سمح لقوى إقليمية بمحاولة الهيمنة عليها، عبر مشاريع سياسية واقتصادية خاصة بتلك القوى.

المنطقة العربية في دول غرب آسيا “دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وسورية ولبنان والأردن” لا تزال بحاجة إلى إيجاد صيغة عمل استراتيجي سياسي واقتصادي تسمح بالانطلاق بمشروع تنمية عربية كبرى، تحفظ لشعوبها استقرارهم وتطورهم العلمي والتقاني والاقتصادي إضافة إلى استقرارهم السياسي.

هذا المشروع لا يزال بعيداً عن قناعة هذه الدول لوضعه موضع التنفيذ، وهو ما سمح باحتمال لقيام ثلاثة مشاريع إقليمية تحاول ملْ الفراغ بما يخدم دولها. المشروع الإسرائيلي الذي طرحه شمعون بيريز رئيس الكيان الإسرائيلي سابقاً “الشرق الأوسط الجديد”، وهو نسخة مقاربة لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تحدّثت به وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابقة.

المشروع الإسرائيلي هدفه الرئيس الهيمنة على ثروات العالم العربي من خلال قيادته سياسياً واقتصادياً أي إن إسرائيل ستلعب دور الرأس المفكّر في هذا المشروع، بينما يقدّم العالم العربي ثرواته والأيدي العاملة، إذ وفق منظور هذا المشروع فإن العرب غير قادرين على نهضة شعوبهم نتيجة افتقادهم للتقانة المتطورة والعقول العلمية، وهذا متوفر حسب رواية المشروع الإسرائيلي لدى كيانهم.

أما المشروع الثاني للهيمنة السياسية والاقتصادية فكان مشروع الخميني الذي استطاع القفز إلى السلطة في إيران إبّان الثورة الشعبية الإيرانية ضد حكم الشاه رضا بهلوي آنذاك.

المشروع الإيراني انطلق من استخدام الإيديولوجيا الدينية “الشيعية السياسية” كمظلةٍ تحت مسمّى “تصدير الثورة” إلى دول الجوار العربي المسلمة، والتي يوجد بها مكون ديني شيعي.

المشروع الإيراني هو مشروع بناء دولة فارس العظمى التي تريد أن تفرض إرادتها على حكومات وشعوب المنطقة بما يخدم مشروعها متسترة بكذبة كبرى ” تحرير فلسطين وبيت المقدس”، وقد قامت سلطة “آيات الله”، باحتلال أربع عواصم عربية بصورة أو أخرى “صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت”.

من الطبيعي أن يتواجه المشروعان الإسرائيلي والإيراني، فهما يتنافسان على مربع الثروات وشعوب المنطقة العربية، وقد تطوّرت هذه المواجهة وأخذت أشكالاً دموية بعد قيام الثورة السورية ضد نظام الأسد حليف إيران.

في هذه المراحل المختلفة بدت تركيا دولة صاعدة على صعيد بناء قدراتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية منذ صعود “حزب العدالة والتنمية” بقيادة الرئيس رجب طيّب أردوغان إلى الحكم.

استطاعت تركيا منذ عام 2002 أن تحقّق قفزات كبرى على صعيد تطوير تركيا اقتصادياً ما انعكس على تطوير كل مناحي الحياة في البلاد. ففي عام 2002 كان الناتج المحلي الوطني في تركيا قرابة 280 مليار دولار.

أما الآن فقد تجاوز حجم الناتج المحلي التركي قيمة تريليون ومئة مليون دولار حسب نشرات الاقتصاد التركي، أي أن حجم الناتج المحلي في تركيا تضاعف قرابة أربع مرات، مما جعل تركيا تحتلّ المرتبة الرابعة عشرة في سلم اقتصاد مجموعة العشرين. أي مجموعة الدول التي تمتلك أكبر اقتصادات عالمية.

هذه الحال التركية تجد نفسها أمام استحقاقات أمنية كبرى تهدّد اقتصادها ووحدة دولتها، هذا الخطر مصدره نشاط عسكري وسياسي يقوم به حزب كردي تركي اسمه (حزب العمال الكردستاني) أي حزب PKK الذي أسسه عبد الله أوجلان الذي يقبع حتى اللحظة في سجن مرمرة في تركيا، هذا الحزب تصنّفه الحكومة التركية بأنه “حزب إرهابي يقوم بعدوان مسلّح على الدولة والشعب التركيين”.

ازداد هذا الخطر مع قيام الثورة السورية عام 2011 وما أفرزته من نتائج باتت تؤثّر على الوضع العام التركي، سواء مشكلة اللاجئين السوريين الذين هربوا من بطش نظام الأسد إليها، إضافة إلى انتقال نشاط حزب العمال الكردستاني إلى سوريا بالاعتماد على ذراعه السورية حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD).

سقوط نظام الأسد وفق توافقات دولية لعبت تركيا دوراً هاماً في تحقيقها جعل الكيان الإسرائيلي يحاول الاستفادة أقصى ما يمكن من الوضع الجديد الهش في سوريا.

المطلوب إسرائيلياً بقاء العهد الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع أضعف عسكرياً وأمنيّاً وسياسياً واقتصاديا أقصى ما يمكن، ليسهل على دولة الكيان التدخل متى أرادات للحفاظ على هيمنتها المطلقة عسكرياً وسياسياً وبالتالي اقتصادياً. وهذا يعني تحوّل سوريا إلى بلد غير قابل للتطور العام بكل مستوياته.

هذه السياسة ترجمتها إسرائيل بمحاولة استخدام أوراق هشّة لفئات تريد أن تفرض أجنداتها السياسية والعسكرية على الدولة السورية ما بعد سقوط نظام أسد. ونقصد ملف السويداء وملف منطقة الجزيرة الفراتية.

سوريا بعهدها الجديد ستكون متضرّرة بوحدتها واستقلالها العام إن رضخت لهاتين الأجندتين، وهذا يعني مدخلاً لتقسيم البلاد أو على الأقل تأخذ صيغة التقسيم ما تطالب به ما يسمّى “الإدارة الذاتية وذراعها العسكرية قوات سوريا الديمقراطية، أي اختصاراً قسد”. هذه اللامركزية السياسية “الفدرلة” ستضرّ بأمن الدولة التركية كما تضرّ بوحدة سوريا وشعبها.

دعاة الفدرلة يرفضون نظام حكم لا مركزي إداري، لأنه ببساطة يجهض كلّ مخططاتهم اللاحقة بتقسيم البلاد، أو استخدام أراضيها منصات لصالح مشاريع تتناقض ومصالح الشعب السوري.

هنا يمكن فهم أهمية بناء علاقة استراتيجية بين الدولتين السورية والتركية، فتركيا لا مطامع لها في سوريا بل إنهما يدركان عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين السوري والتركي. ويهم الدولة التركية أن تكون سوريا دولة مستقرة بكل المقاييس، وهذا هدف تعمل عليه حكومة الرئيس أحمد الشرع.

إن الدعوة إلى علاقات استراتيجية ملموسة بما فيها معاهدة للدفاع المشترك لا يخدم استقرار سوريا فحسب، بل يخدم المنطقة العربية برمتها، إذ إن دعم تركيا للدول العربية من خلال دعم مشروعها التنموي الكبير يمنع صراحة من هيمنة إسرائيلية على المنطقة العربية، هذه الهيمنة لا تضرّ بالعرب فحسب، بل تهدّد وحدة تركيا واستمرار نهضتها الكبرى، وهذا يعني كمحصلة إضعافاً لليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو وحلفائه من الأحزاب المتشددة.

لذا من الضرورة التاريخية أن تزداد علاقات التعاون والتحالف بين سوريا وتركيا، ففيها نهاية لكل من يتخندق وراء أجندة هي في الأفق الاستراتيجي أجندة معادية لشعوب المنطقة العربية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني