الصراع على الساحل السوري، وأبرز متطلّبات الحوار الوطني الناجح!

0

حرصاً منها على تعزيز السلم الأهلي والوحدة الوطنية.. نينار برس تنشر نص الرسالة التي تقدّم بها الكاتب نزار بعريني وهو من الشخصيات السياسية في الساحل السوري إلى السيد رئيس الجمهورية العربية السورية

السيد أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية

تحية طيبة وبعد:

نتوجّه إليكم بهذه الرسالة بكل احترام وتقدير، ونيّة صادقة في إبداء الرأي البنّاء والنصيحة الواقعية، مستندين إلى خبرتنا الطويلة في متابعة أحداث الصراع على سوريا بشكل عام، والصراع على الساحل في أعقاب سقوط سلطة النظام البائد، وإيماننا العميق بصدق سعيكم لبناء أسس مشروع وطني سوري، ودولة موحّدة، تسودها العدالة والمساواة والقانون…
سيادة الرئيس:

إذ نرحّب بجهودكم المخلصة وسعيكم الحثيث للتواصل والتفاعل البنّاء مع جميع السوريين، أصحاب المصلحة في وحدة واستقرار سوريا ونهضتها الاقتصادية، وإذ نعتقد أنّ حوارات السلم الأهلي والوطني الفعّالة المرتبطة بهموم أبناء الساحل السوري يجب أن تُبنى على معرفة واقعية بأسباب التحدّيات الحقيقية وعلى وضع آليات ناجعة لمواجهتها.

نرجو أنّ تأخذ رؤيتكم بعين الاعتبار الوقائع والاستنتاجات التالية:

أوّلاً، مقدّمة عامّة:

1- إنّ الهدف الرئيسي لقيام حوار وطني فعّال في الساحل السوري يجب أن يستهدف العلويين، ويبحث بموضوعية في أسباب المأزق التاريخي وعوامل السياق الراهنة التي وضعت رأياً عاماً علوياً كبيراً في تعارض مع سياسات الدولة السورية الجديدة، ويسعى لمعالجتها في إطار استراتيجية وطنية، تركّز جهودها على توفير الشروط الوطنية – الأمنية والإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية – لطمأنة قطاع واسع من الرأي العام، يُظهر اختلاط مشاعر أبناء الطائفة بين الخوف والارتباك والتشكيك، وصلت عند بعضهم إلى درجة العداء، والبحث عن بدائل لا وطنية، خاصة على صعيد الشرائح المهمّشة تاريخياً وراهناً، الأكثر تضرراً من سياسات سلطة الأسد اللاوطنية ومن إسقاطها، وعجزاً عن إدراك حقائق الصراع على سوريا الجديدة والساحل السوري خارج منظومة الثقافة الطائفية المسيطرة!

2- إن المجتمع العلوي جزء أصيل من الشعب السوري، وتتقاطع وتتشارك مصالح العلويين مع مصالح السوريين الوطنية في الحفاظ على مقوّمات الدولة السورية الموحّدة التي ترسّخت بعد الاستقلال السياسي.

3- إنّ مواجهة تحدّيات السلم الأهلي المرتبطة خاصة بالمجتمعات العلوية لا تخرج عن سياق وإجراءات مواجهة التحدّيات الناتجة عن جهود قوى مشروع التقسيم، الساعية لاستغلال جميع التحدّيات التي تواجه العلويين تاريخيّاً وراهناً من أجل تفشيل سياسات وجهود السلطة الجديدة، وقد كان أخطرها ما وضعته قيادات مشروع التقسيم السورية والخارجية من خطط، وما مارسته من خطوات وإجراءات لتجيير بقايا “الطائفة الأسدية” ومخاوف العلويين التي ظهرت في أعقاب التحرير، لتجييش نزاعات انفصالية على صعيد الرأي العام، ودعم أدوات سياسية وأذرع ميليشاوية من أجل إقامة كانتون لامركزي “علوي” في الساحل السوري، وقد تكاملت مجموعة عوامل في وضع رأي عام علوي مسيطر في مواجهة السلطة، وفاقمت مشاعر العداء والتحريض السياسي والتجييش الطائفي.

4- إنّ غالبية أبناء الطائفة، كانوا، على غرار جميع السوريين وعلى جميع الصعد والمستويات، ضحايا سياسات شبكة السيطرة الأسدية الإيرانية اللاوطنية قبل 2011، وبعده، خاصة عندما وضعت سياسات السلطة المجرمة الطائفة بكاملها في مواجهة تطلّعات السوريين الوطنية المشتركة، وحوّلت أعداداً كبيرة من شبابهم إلى ضحايا، أو أدوات قتل وتشبيح وتمزيق للنسيج الوطني السوري، وكان القاتل والقتيل ضحايا عقلية إجرامية سلطوية لا وطنية واحدة!

5- لقد كان من الطبيعي في عواقب سياسات تحشيد طائفية انتهجتها السلطة الساقطة طوال عقود كوسيلة للحكم واستمرار السيطرة، وفي ضوء المتغيرات النوعية التي أعقبت إسقاط سلطة الأسد، أن يكون “العلويون” المتضرر الأكبر على الصعيد المادّي والمعنوي، وقد خلقت عندهم ظروف إسقاط السلطة مخاوف ترتبط بأمن الطائفة ومستقبل أبنائها، وتركت عشرات الألاف من المدنيين والعسكريين دون مصدر رزق، وتحت شبح الاعتقال أو السجن أو حتى القتل في ظل غياب إجراءات واضحة للعدالة الانتقالية وسيطرة لغة ومنطق “الانتقام” التي مارسها بعضهم نتيجة لربط الهجمات والاعتداءات الإجرامية التي شنّها بشكل علني أو غير مُعلن بقايا شبيحة سلطة الأسد بالطائفة، وتحميل فقراء العلويين وزر الجرائم، رغم تأكيد خطاب وتعليمات القيادة السياسية على الرحمة، وتغليب منطق الدولة.

ثانياً: بعض المطالب المحقّة:

في ضوء الوقائع السابقة، التساؤل الذي يطرح نفسه:

كيف يمكن طمأنة الرأي العام العلوي وسحب البساط من تحت أقدام فلول مشروع التقسيم؟

الإجابة على هذا التساؤل، تطرح تساؤلاً إضافياً:

ماذا يريد الرأي العام الوطني العلوي؟

أغلب المطالب التي يتداولها الرأي العام ترتبط بقضايا اقتصادية وأمنية، وشراكة في الإدارة المحلية.

1- حاجة غالبية شعبية كبيرة لتوفير متطلّبات حياة كريمة، خالية من مسببات مشاعر الخوف من الحاضر، والقلق على المستقبل، وما يرتبط بمعالجة مشاكل الذين خسروا مصادر الدخل من عسكريين ومدنيين، وتوفير فرص عمل وطبابة..

2- معالجة قضايا عشرات الآلاف من عناصر وضباط مؤسسات سلطة الأسد العسكرية، الذين باتوا مهددين بسلامتهم الشخصية ولقمة عيش أسرهم، وفقدوا مصادر الدخل الحكومية، وبطاقات الهوية المدنية، رغم خضوع معظمهم لشروط التسويات الحكومية، علاوة على أهميّة إيجاد حلول وطنية وإنسانية، وفي أطر إجراءات العدالة الانتقالية، لقضية “سجناء” عناصر وضباط جيش الأسد، الذين تمّ احتجازهم في أعقاب تفكيك الجيش، وفي ظل ظروف غير قتالية.

3- مشاركة حقيقية في جميع مؤسسات الحَوكمة المحلية، الإدارية والاقتصادية والقانونية والسياسية، بما يرفع تدريجيا مشاعر الغبن والإقصاء.

ثالثاً: إجراءات في استراتيجية شاملة:

غنيّ عن البيان القول أنّ طبيعة وسائل المواجهة تفرضها شروط الصراع الراهنة.

1- إنّ استمرار أبواق ومواقع التحريض السياسي في العمل على تجييش العلويين لصالح أجندات قوى مشروع التقسيم بات يتطلّب استراتيجية مواجهة شاملة وفعالة، يساهم فيها مؤسسات الدولة الجديدة، السياسية والاعلامية والقضائية والامنية، ونخب العلويين الوطنية، وتعمل على كشف طبيعة أجندات وهويّة قوى المشروع، على الصعيد السوري والخارجي، وأدواته على صعيد الساحل، وكيفيّة تفشيل جهودها، وما ينبغي أن تلعبه وسائل الإعلام والمراكز الثقافية والإدارات السياسية لتحشيد رأي عام علوي وطني، يرفض المشاريع الانفصالية، وينخرط في جهود بناء مؤسسات الدولة الجديدة..

2- في ظلّ حالة التّفكّك والشعور بالخطر والعزلة التي وجدت فيها الطائفة نفسها بعد سقوط سلطة النظام البائد، قفز الكثيرون ليتنطّحوا لمهمّة التّمثيل، وكان بعض الذين اعتادوا التسلّق على ظهرها بدعم لوجستي من شبكة السيطرة الأسدية، وكان البعض عميلا لأجهزة السلطة أو صعلوكاً مقيماً في الخارج مستغلّاً آلام النّاس ومخاطباً إيّاهم بطريقة فوقية، وفي ظل ما تمارسه أبواق مشاريع التقسيم من تهديد وترهيب لأبناء الطائفة الوطنيين، يصل إلى درجات التصفية الجسدية، بات من مصلحة الجميع أن تساهم مؤسسات الدولة في جهود بلورة وطمأنة نخب سياسية وثقافية ومرجعية دينية، وطنية علوية، تكون عونا حقيقيا للطائفة، ورافعة لجهود تعزيز شروط السلم الأهلي والأمن القومي السوري، وقد كان إشراك والاعتماد على نخب طائفية وانفصالية، ارتبطت بأشكال مختلفة بشبكة سيطرة سلطة الأسد الساقطة، وبأدوات مشروع التقسيم، بأنشطة الحوارات السابقة تاثيرات سلبية واضحة، شكّلت عقبات أمام جهود تشكيل رؤية وطنية لمعالجة القضايا الرئيسية!.

3- لقد ساهم في تعزيز المشاعر المعادية للدولة الجديدة عند أبناء قرى ومدن الساحل السوري تصاعد وتائر خطاب تحريض طائفي معاد للعلويين، ويحمّلهم وزر جرائم النظام الساقط، ومسؤولية هجمات “فلول التقسيم، (استغلّته أبواق التحريض السياسي والتجييش الطائفي، في ظل غياب إعلام حكومي وأصوات وطنية فاعلة، لإقناع الرأي العام العلوي بأنّهم مستهدفون لدوافع طائفية والتشكيك بصدق جهود الحكومة للتحقيق والمحاسبة، وصل إلى درجة طرحْ تساؤلات عميقة حول المصير، وفتحَ أبواب البحث عن مظلّة حماية سياسية بديلة)، وقد أصبح ملحّا تحريم وتجريم كلّ أشكال التحريض الطائفي، بغض النظر عن طبيعة التخندقات السياسية!.

4- لا يجد الحريص على السلم الأهلي صعوبة في رؤية مخاطر ضعف الثقة المتبادل بين عناصر مؤسسات السلطة الجديدة الأمنية والعسكرية والمواطنين، وهو ما يوجّب مشاركة أبناء العلويين في مؤسسات ومسؤوليات حماية السلم الأهلي.

أخيراً.. وكرسالة صادقة أقول:

سيادة الرئيس، غالبية العلويين لا يريدون أكثر مما يتوافق مع مصالح السوريين الوطنية المشتركة، ومرجعية الإعلان الدستوري، الذي ينص على أن سورية دولة موحّدة وذات سيادة، ويؤكّد على فصل السلطات وضمان الحريات والكرامة ومساواة المواطنين بغض النظر عن الدين أو المذهب، وقضاء مستقل، ومجلس شعب ومحكمة دستورية عليا.

ويأملون أن يشاركوا في مسارات بناء مؤسسات الدولة السورية الوطنية الموحّدة والعادلة.

عشتم، وعاشت سوريا حرّة أبية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نزار فجر بعريني

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني