الصراع المسلح في سوريا طريق لتفككها ومنع قيام دولة مستقرة

0

دم السوري على السوري حرام

هذه العبارة ليست مجرد مقولة أخلاقية أو دينية، بل صرخة ضمير وطني في وجه آلة الحرب العبثية التي تنهش الجغرافيا السورية والروابط الاجتماعية بين أبنائها. لقد بات الصراع المسلح في سوريا، بعد أكثر من عقد، خطراً وجودياً لا يهدد فقط الدولة ككيان، بل يقوّض فكرة الوطن المشترك ويهدد تماسك الشعب السوري ذاته.

أولاً: الصراع المسلح وتمزيق وحدة الأرض والشعب

الحرب لم تدمّر المدن والقرى فحسب، بل فتّتت الشعور بالانتماء. لم يعد السوري ينظر إلى نفسه كجزء من كلّ وطني، بل كجزء من جماعة مذهبية أو عرقية أو منطقة جغرافية. فالحلقة الجهنمية من العنف المتبادل دفعت السوريين إلى الانكفاء على هوياتهم الفرعية، وأضعفت الإحساس بالمصير المشترك.

الصراع المسلح خلق خرائط نفوذ متنافرة، تتحكم بها مجموعات تحمل السلاح ولا تملك مشروعاً سياسياً وطنياً. هذا الانقسام الجغرافي والانقسام النفسي أخطر من كل تدخل خارجي، لأنه يقوّض الأسس التي تقوم عليها أي دولة: وحدة الأرض والشعب والسلطة.

ثانياً: مشاريع انفصالية مموهة بدعوى الحقوق

في الجنوب، وتحديداً في محافظة السويداء، ظهرت حركات مثل “حركة الهجري” التي تدّعي الدفاع عن أبناء الطائفة وتطالب بـ”إدارة ذاتية”. ظاهر هذه الدعوات حقوقي، لكن باطنه تفكيكي، فهي تستدعي التدخل الأجنبي، بل تراهن على دعم إسرائيل، وتدفع بالمجتمع المحلي إلى موقع العزلة والانفصال عن الدولة.

هذه الحركات، وإن كانت تدغدغ مشاعر بعض الناس بسبب تدهور الوضع المعيشي والأمني، إلا أن خطرها كبير. لأنها تمهد لانقسام سوريا إلى كانتونات طائفية متناحرة. فالدعوة للإدارة الذاتية وفق منطق الهويات الطائفية لا تختلف كثيراً عن مشاريع التقسيم، حتى وإن تزيّنت بشعارات “الكرامة” أو “الاستقلال المحلي”.

السوريون، ومن مختلف المكونات، يجب أن يرفضوا هذه المشاريع التي قد تجرّ البلاد إلى حرب أهلية طويلة، خصوصاً أنها لا تمثّل حلاً، بل مجرّد تهرّب من المسؤولية الوطنية الجامعة.

ثالثاً: الغرب وإسرائيل… مع استقرار تسيطر عليه سلطة موالية

بعكس ما يظنه بعض المعارضين أو النشطاء، فإن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لا يسعى فعلياً إلى تقسيم سوريا. فالدول الغربية تدرك أن الفوضى المستمرة في سوريا ستولّد جماعات متطرفة تهدد الإقليم كله، بما فيه إسرائيل.

من هذا المنطلق، فإن واشنطن وتل أبيب لا تمانعان في وجود سلطة مركزية قوية في دمشق، شرط أن تكون تلك السلطة مستقرة وقادرة على السيطرة على الحدود وتمنع تمدد النفوذ الإيراني أو الروسي، وتبقي سوريا ضمن حدود المعادلات الإقليمية المتفق عليها.

بالتالي، فإن المراهنة على تدخل غربي من أجل دعم مشاريع الانفصال أو الإدارة الذاتية هو رهان خاسر، لأن المصالح الغربية تتطلب سوريا موحّدة ومستقرة، لا خارطة صراعات ومليشيات.

رابعاً: موسكو وطهران… التدخل من باب “المصالح والأقليات”

روسيا وإيران لم تدخلا إلى سوريا لأسباب أخلاقية أو إنسانية. تدخلهما كان لحماية مصالحهما الجيوسياسية والاقتصادية. ومع تطور الصراع، باتتا تستخدمان الأقليات كورقة تفاوض وضغط على دمشق، تطالبان بالمكاسب والامتيازات مقابل الحماية والدعم.

تغذية الفوضى واللعب على وتر التمايزات المناطقية والمذهبية أصبح أحد أدوات النفوذ. فكلما ضعفت الدولة المركزية، ازدادت قدرة الروس والإيرانيين على التدخل وتوجيه القرارات. لذلك، لا يسعيان إلى حل شامل، بل إلى تثبيت واقع هجين: سلطة مركزية ضعيفة قابلة للتأثر بمصالحهما، ومناطق خارجة عن السيطرة تُدار بعرف الأمر الواقع.

خامساً: قسد.. مشروع بلا أفق وطني

تسعى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى فرض نموذج حكم ذاتي في شمال شرق سوريا، مستفيدة من دعم أمريكي محدود، ومن غياب السلطة المركزية في تلك المناطق. ومع أنها ترفع شعارات تمثيلية لجميع المكونات، إلا أن بنيتها الكردية الطاغية، وممارساتها الإقصائية في بعض المناطق، تثير القلق من نواياها الحقيقية.

قسد تدرك اليوم ألا أفق دولي فعلي لمشروعها. فلا أمريكا ولا إسرائيل تنويان دعمه طويلاً، ومع تنامي الرفض الشعبي العربي والكردي الداخلي لها، فإنها ستكون مضطرة في نهاية المطاف للعودة إلى اتفاق مع دمشق. الاتفاق الذي جرى الحديث عنه بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي في آذار الماضي قد يكون بداية ممكنة لمسار سياسي يعيد تلك المناطق إلى الدولة، مع صيغة إدارة محلية منفتحة ودستورية.

المرحلة الانتقالية بحاجة لإعادة نظر

لكي تنهض سوريا من جديد، لا يكفي أن تُهزم الفصائل المسلحة، أو أن تستعيد الدولة سيطرتها الجغرافية، بل لا بد من مراجعة جذرية لطريقة إدارة المرحلة الانتقالية. النظام الجديد لم يلتزم فعلياً بمبدأ الشراكة السياسية، بل فرض رؤية أحادية عبر الإعلان الدستوري وتشكيل حكومة بلا تمثيل فعلي للقوى الوطنية.

هذا المسار يولّد تناقضات سياسية ستنفجر في أي لحظة. لذلك، فإن المطلوب هو فتح المجال أمام القوى الوطنية لتشارك بفعالية في صياغة مستقبل سوريا، ضمن دولة مركزية موحدة بنظام حكم لا مركزي إداري يضمن التنمية والعدالة.

البديل عن ذلك هو المزيد من التفكك، والمزيد من الدم، وهو ما يجب أن نمنعه، ما دمنا نؤمن أن “دم السوري على السوري حرام”.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني