
الصراع الإيراني – الإسرائيلي، وطبيعة المأزق في علاقات السيطرة الإقليمية الأمريكية!
في عوامل السياق التاريخية لهذه المحطّة الأخطر من صراعات السيطرة الإقليمية التي فجّرها هجوم 13 حزيران الجاري، تبرز حيثيات شروط وصول سلطة الخميني إلى السلطة في مطلع شباط 1979، حين أدّى إصرار وعمل الخميني، بدعم لوجستي واستخباراتي أمريكي وأوروبي[1] إلى إسقاط حكومة الثورة الديمقراطية الانتقالية، وإطلاق صيرورة تأسيس سلطة ملالي استبدادية وفقا لنظرية “ولي الفقيه” وبوسائل ميليشاوية دموية، وإطلاق مشروع “تصدير الثورة الإسلامية”، وكان إصراره على استمرار حرب الخليج الأولى بعد قرار مجلس الأمن 1982 بوقفها، ودور حرسه الثوري المدّمر في لبنان وافغانستان خلال الثمانينات، مقدمات لما حلّ من خراب إقليمي شامل منذ مطلع التسعينات، وصولا إلى محطّات غزو العراق 2003 “والربيع العربي” نهاية 2010، حيث كان لسياسات سلطة المرشد الكارثية في سوريا الدور الرئيسي في دفع الصراع السياسي على السلطة خلال 2011 على مسارات وصيرورة الخَيار الأمني الميليشياوي، ومشروع تفشيل سوريا، وتقسيمها، وحيث كان إصراره على بناء مقوّمات تصنيع سلاح نووي و ديمومة مرتكزات وآليات تقاسم سوريا التشاركي مع واشنطن بعد 2020 العامل الرئيسي في تفشيل مسارات تسوية سياسية شاملة، وتصاعد وتائر الهجمات الإسرائيلية، وصولا إلى عتبة 27 نوفمبر 2024[2].
إلى جانب عوامل سياق مشروع السيطرة الإقليمية الإيرانية التاريخية، (خاصة نجاح أذرعه في خلق بؤر تهديد حول “عنق إسرائيل”، ونجاح قيادة سلطته في تطوير برامج التسلّح النووي والبالستي، وهي عوامل تهديد مباشر للأمن القومي الإسرائيلي وأمن دول شركاء الولايات المتّحدة الأوروبيين والإقليميين، رغم ادّعاء القادة الأمريكان بأولوية حماية مصالح الكيان في سياستهم الإقليمية)، وفي ضوء وقائع ذهاب الصراع الإسرائيلي الإيراني حول قضايا التسلّح والنفوذ الإقليمي إلى مراحل كسر العظم في تصاعد لوتائر الحرب منذ مطلع 2020، خاصّة في أعقاب هجوم طوفان الأقصى، وفي ضوء استنتاجات القراءة الموضوعية الدقيقة لما يحصل من تغيّرات في رؤية الإدارة الأمريكية الجمهورية منذ مطلع 2025 سمح بإنهاء شبكة السيطرة الإيرانية في سوريا، فإنّ التساؤلات الرئيسية التي ينبغي طرحها:
1- هل موضوعياً وذاتيّاً، وفي سياسات الولايات المتّحدة تجاه مسارات الحرب الراهنة في قلب منطقة الشرق الأوسط، ثمّة قرار استراتيجي أمريكي بتفكيك البرنامج النووي الإيراني (سلماً أم حرباً)، في توافق مباشر أو تقاطع مصالح مع دول الإقليم الرئيسية، السعودية وتركيا والباكستان، وحتى مع أوروبا وروسيا )، وهو الذي سمح لحكومة الحرب الإسرائيلية بشن هجوم 13 من الشهر الجاري، وحدد نوعية السلاح وطبيعة الأهداف، وسيتيح لإسرائيل استخدام وسائل حسم الحرب بالطرق الأقل خطورة، في حال فشلت وسائل الضغط العسكرية المتصاعدة درجات التدمير، واستمر رفض حكومة طهران قبول الشروط الأمريكية؟
2- هل ثمّة “سوء فهم” في العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية، يرتبط بعدم إدراك القيادة الإسرائيلية لحقيقة أن قراءة واشنطن لهدف “تفكيك” البرنامج النووي الإيراني لا تتضمّن تفكيك مظلّة الحماية الأمريكية لسلطة طهران كما يعتقد نتنياهو وطاقمه الأمني والسياسي، وهو الذي حرم تل أبيب من الحصول على الدعم الكافي لمواجهة الهجمات الإيرانية في العمق الإسرائيلي ولا مشاركة فاعلة في استهداف المنشآت النووية، وأوصل الحرب الإسرائيلية العدوانية الراهنة إلى حالة المأزق!
إلى أن تكشف الأحداث حقيقة المواقف والسياسات الأمريكية التي سيكون لها كلمة الفصل في تحديد مآلات ونتائج الحرب، تشكل العملية الإسرائيلية تصعيدا نوعيا يحمل في طياته تبعات بعيدة المدى. فرغم الضربة القاسية التي تلقّتها البنية العسكرية والنووية الإيرانية، فإن تأثيرها طويل الأمد لا يزال غير محسوم. احتمالات فشل أهداف الحرب الإسرائيلية من جهة، وفشل طهران في فرض معادلة “توازن التدمير النووي”، من جهة ثانية، وما ينتج عن استمرار الحرب من زعزعة للاستقرار في قلب منطقة السيطرة الأمريكية ويهدد مصالح الولايات المتّحدة الحيوية، من تعطيل لإمدادات الطاقة العالمية وتهديد أمن مصادرها، كلها تضع المنطقة أمام سيناريوهات محفوفة بالمخاطر، وواشنطن أمام تحدّيات كبيرة.
ليس أمام واشنطن سوى العمل على تجيير تحدّيات استمرار الحرب من أجل دفع الطرفين إلى تفاهمات صفقة نووية نهائية وفقا لشروط واشنطن. يبدو لي أنّه في حال إصرار القيادة الإيرانية على رفض التوصّل إلى صفقة سياسية، والاستمرار في لعبة تصعيد الصراع العسكري، لفرض معادلة توازن “رعب نووي”، سيكون أمام واشنطن وتل أبيب الذهاب على مسارات أحد طريقين، أو كليهما معا:
1- توجيه ضربات تحذيريّة على المواقع الأكثر أهميّة في منشآت المشروع النووي، قد تتطلّب نجاح جهود استخباراتية في ترتيب ظروف عدم انتشار إشعاع نووي.
2- تصعيد الهجمات التي تستهدف تدمير مرتكزات سلطة النظام الإيراني، خاصة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، لوضع سلطة النظام الإيراني أمام مخاطر التغيير لصالح بديل أمريكي.
في أهداف هجوم 13 يونيو 2025، أعلن نتنياهو عن السعي لتقويض البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني[3]، بينما تؤكّد طهران أنّها لن تعود إلى طاولة المفاوضات قبل ردع العدوان الإسرائيلي، وقد أكّد الرئيس الإيراني، أنّ بلاده لم ترفض العودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه ربطها بشرط “كبح اعتداءات إسرائيل”، موضّحا أنّ بلاده سترد بالمثل على أي اعتداء إسرائيلي!
في وقت لاحق، وفي أجواء تصاعد وتائر المواجهات العسكرية، وتزايد خسائرها في صفوف المدنيين والبنى التحتية، عبّر ترامب عن ثقته في أنّ إيران ستوقّع في نهاية المطاف اتفاقاً بشأن برنامجها النووي، محذّرا من أن الولايات المتحدة “ستفعل شيئاً ما” بمجرد مغادرته قمة مجموعة السبع.
في نفس السياق، قال موقع أكسيوس أنّ إدارة ترامب أبلغت حلفاءها في المنطقة بأنّها لا تخطط للانخراط في الحرب، ونقلت رسالة تحذير لطهران من مخاطر تجاوز الخط الأحمر!.
ما هو الخط الأحمر الامريكي، وهل تجاوزته طهران، وما هي العواقب المحتملة؟
المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، قالت الخميس، إن موقف ترامب من إيران “لا يجب أن يفاجئ أحداً، مؤكدة وجود فرصة “حيوية” للتفاوض.
وذكر موقع “أكسيوس”، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن ترامب اجتمع، الخميس في غرفة العمليات، بفريقه للأمن القومي، وهو الاجتماع الثالث من نوعه خلال ثلاثة أيام.
وكشف المسؤولون أن ترامب “يفكر جديا في الانضمام” إلى حرب إسرائيل ضد إيران، “لكنه يريد ضمان ثلاثة أمور”:
• أن تكون الضربة العسكرية ضرورية حقاً.
• أن العملية لن تجرّ الولايات المتحدة إلى حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
• الأهم من ذلك كله، أنها ستحقق هدف تدمير البرنامج النووي الإيراني.
التساؤل الذي يجب على القيادة الإسرائيلية مقاربته بموضوعية: هل يستطيع نتنياهو وحربه المأزومة أن توفّر شروط ترامب؟
إذا كان من الأفضل للنظام الإيراني أن يسارع إلى الموافقة لحل تسووي، وفقاً لخارطة الطريق الأمريكية، فهل يستطيع نتنياهو أن يقبل بسقف الأهداف الحقيقية الأمريكية، بعد كلّ ما حصل من عواقب على بلاده، وما حققه من إنجازات، في سياقات تصاعد الحرب؟
قد تتمكّن آلة الحرب الإيرانية من إنزال خسائر كبيرة في صفوف الإسرائليين والبنى التحتية، لكنّها لن تستطيع تهديد المواقع النووية الإسرائيلية وبالتالي خلق توازن رعب نووي، وتغيير مآلات الصراع بما يمكّنها من احتواء أهداف الحرب الإسرائيلية – الأمريكية!.
هل ثمّة مخارج واقعية لهذا الاستعصاء في علاقات السيطرة الإقليمية التشاركية للولايات المتّحدة، الدولة الأعظم، وصاحبة أقوى مشروع سيطرة إقليمية؟.
[1]– وفي ظل عوامل سياق استراتيجية سيطرة إقليميّة أمريكية مطوّرة، أطلقتها إدارة كارتر ونظريات “بريجنسكي” في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي من أجل مواجهة تحدّيات تمدد النفوذ السوفياتي وتعزز عوامل التغيير الديمقراطي في الداخل الإيراني، وعلى الصعيد الإقليمي، وتعتمد في أدواتها بشكل رئيسي على تموضع عسكري دائم واستخدام أذرع وسلطات الإسلام السياسي الجهادي والكردستاني.
[2]– مع وصول ترامب إلى السلطة في ديسمبر 2024، بدأت تتبلور ملامح استراتيجية إقليمية أميركية جديدة، تعاكس في الاتجاه، وتتناقض في الأهداف، مع استراتيجية السيطرة الإقليمية التشاركية بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني التي أطلقت واشنطن صيرورتها منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وشكّلت مظلّة الحماية والدعم اللوجستي لتقدّم أذرع المشروع الإيراني الإقليمية حتى عندما تعارضت في فلسطين المحتلّة وسوريا ولبنان مع مصالح وسياسات الأمن القومي الإسرائيلي.
في هذه المرحلة الجديدة من خطط وسياسات مشروع السيطرة التشاركية الإقليمية الأمريكية، حيث تسعي واشنطن لتوفير شروط استقرار سوري وإقليمي دائم، عبر دعم مسارات توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة في سوريا، واستكمال خطوات وإجراءات التطبيع الإقليمي في إطار مشروع “أبراهام” المتضمّن إعادة دمج النظام الإيراني المنزوع من آليات التهديد الإقليمي، لم تكن تتضمّن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إسقاط سلطة النظام الإيراني، بل فقط احتوائها في آليات مشروع التطبيع الإقليمي.
[3]– إلى جانب استهداف البرنامج النووي الإيراني، تُلمّح إسرائيل إلى أهداف أوسع نطاقاً، فاسم العملية، “الأسد الصاعد”، يشير بشكل غير مباشر إلى الرمز الإمبراطوري الذي ارتبط بإيران في عهد الشاه، ما يُفهم منه أن الهدف لا يقتصر على عرقلة البرنامج النووي، بل ربما يمتد إلى محاولة إضعاف النظام نفسه. كما أن طبيعة عمليات الاغتيال المُحددة بدقة توحي بأن المخطط الإسرائيلي أكثر طموحا من مجرد تحييد القدرات النووية”.