
الشباب السوري دور غائب في مشهد متغير
تعد فئة الشباب العمود الفقري لأي مشروع وطني، والركيزة الأساسية لأي نهضة تنموية أو تحوّل مجتمعي. غير أن واقع الشباب السوري، سواء في الماضي أو الحاضر، لا يعكس هذا الدور المفترض. بل إن مظلومية هذه الفئة باتت ملمحاً ثابتاً من ملامح المشهد السوري، رغم اختلاف السياقات والظروف السياسية.
لقد كانت مرحلة ما قبل عام 2011 تتسم بسيطرة منظومة سلطوية على الحياة العامة، حيث حُصر العمل المدني والسياسي في أطر ضيقة، وغُيّبت التشاركية الحقيقية بين الدولة والمجتمع. آنذاك، لم يُتح للشباب سوى الانخراط في مؤسسات شكلية، دون أن يكون لهم تأثير حقيقي في صنع القرار أو رسم السياسات. كما أدت السياسات التعليمية والاقتصادية إلى تعميق فجوة الأمل لدى الأجيال الصاعدة، التي واجهت صعوبات جمّة في بناء مستقبلها داخل الوطن.
ثورة الشباب الغائبة
عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، كان الشباب في طليعة من خرجوا إلى الساحات مطالبين بالتغيير. لم يكن ذلك اندفاعاً عاطفياً، بل رد فعل طبيعي على تراكمات التهميش التي عانوها لعقود. خرجوا بوعي سياسي متنامٍ، وإصرار على بناء مستقبل يختلف عن ذلك الذي رسمته النظم المغلقة.
لكن المسار لم يلبث أن تغير بشكل جذري. فسرعان ما وُوجهت هذه التحركات بالقمع والاعتقال والملاحقات، وتحوّلت الساحات إلى مسارح عنف. آلاف الشباب تعرضوا للقتل أو الاعتقال أو الإخفاء القسري، فيما اضطر عشرات الآلاف إلى مغادرة البلاد بحثاً عن ملاذ آمن أو فرص جديدة في الخارج. هؤلاء الذين كانوا يوماً نبض التغيير، إما انقطع أثرهم خلف الجدران أو عبر الحدود، وإما انشغلوا بلقمة العيش في منفى مؤقت لم يكونوا يخططون له.
تهميش بلا نهاية
اليوم، وبعد سنوات طويلة من الصراع، نجد أنفسنا أمام مشهد أكثر تعقيداً. فالأزمة التي طالت الشباب السوري لم تتوقف عند محطات القمع أو الهجرة، بل انتقلت إلى أشكال أخرى من التهميش. من بقي في الداخل واجه واقعاً صعباً تتداخل فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، في حين من غادر وجد نفسه في بيئات اغترابية لم تكن مهيأة لاستقبال طاقاته أو فهم خصوصية تجربته.
في ظل هذا الواقع، لم يعد غياب الشباب عن المشهد العام حالة اختيارية أو نتيجة عزوف، بل هو في كثير من الحالات نتيجة مباشرة للضغوط التي تعرضوا لها. فبعضهم أُقصي قسراً عن الميدان العام، وآخرون انسحبوا تحت وطأة الإحباط والخذلان، فيما انشغل كثيرون بمواجهة أعباء النزوح، والإعالة، والتأقلم مع حياة متقطعة الأفق.
ورغم بروز بعض المبادرات الشبابية في مجالات مدنية وإعلامية ومجتمعية، فإنها تبقى محصورة ضمن مساحات ضيقة، وغالباً ما تفتقر للدعم والاستمرارية. أما على مستوى السياسات العامة، فلا يزال غياب التمثيل الحقيقي للشباب في مواقع القرار واضحاً، في الداخل كما في الشتات، ما يعكس استمرار الخلل في فهم أدوارهم وإمكاناتهم.
جذور الأزمة
ومن أبرز ما يفاقم هذه الأزمة اليوم، ضعف الاستثمار في طاقات الشباب، وتجاهل معاناتهم النفسية والاجتماعية الناتجة عن سنوات من الحرب، والاعتقال، والنزوح، وتدهور التعليم. كثيرون ممن يحملون المؤهلات العلمية يجدون أنفسهم عاطلين أو مجبرين على ممارسة أعمال لا تتناسب مع قدراتهم.
وتتكرس هذه الأزمة بسبب غياب سياسات واضحة تستهدف إعادة دمج الشباب في عملية البناء المجتمعي. لا تتوفر برامج تأهيل مهني فاعلة، ولا توجد مبادرات تشجّع على الإبداع والمبادرة الفردية، كما أن ضعف البنى التعليمية والخدمية يعمّق من شعور العزلة والإقصاء.
لكن على الرغم من هذا الواقع القاسي، فإن الحديث عن مستقبل سوريا من دون الشباب هو حديث بلا جدوى. فإعادة بناء البلاد لا يمكن أن تتحقق ما لم يكن للشباب دور مركزي فيها، ليس بوصفهم أداة تنفيذ، بل شركاء في التخطيط واتخاذ القرار.
وعليه، فإن التعامل الجاد مع مظلومية الشباب السوري يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة أو الشعارات العامة. أولى الخطوات تكمن في صياغة سياسات وطنية واضحة تُعطي الأولوية لتمكين الشباب، من خلال إعادة تأهيل المؤسسات التعليمية، وتوفير برامج تدريبية ومهنية تواكب سوق العمل، ودعم المبادرات الريادية، وفتح المجال للمشاركة السياسية والمجتمعية.
بناء الثقة وتعافي المجتمع
كما أن إعادة بناء الثقة تبدأ من تحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتأسيس بيئة يشعر فيها الشباب أنهم جزء من المشروع الوطني، لا مجرد هامش منه. ولا بد أيضاً من إشراكهم في عملية صنع القرار المحلي والمركزي، وتأسيس أطر تشاركية فاعلة تكون قادرة على الاستماع لهم، وتحويل أصواتهم إلى سياسات تنفيذية حقيقية.
وفي موازاة ذلك، فإن توفير الدعم النفسي والاجتماعي أمر لا يمكن تجاهله. فالشباب السوري مرّ بتجربة فريدة من نوعها، مليئة بالخسارات والانقطاعات. ومن دون برامج دعم مجتمعي حقيقي، ستظل آثار الحرب حاضرة في سلوك الأفراد وخياراتهم، حتى بعد نهاية الصراع.
وفي النهاية، تبقى الأسئلة معلّقة تنتظر إجابات جماعية لا فردية، هل نحن مستعدون حقاً للانتقال من الحديث عن “الشباب” إلى الحديث معهم؟
هل سنظل نكرّر أخطاء الماضي، أم نمتلك الجرأة لفتح صفحة جديدة يُصاغ فيها المشروع الوطني بمشاركتهم لا بغيابهم؟
وهل تستطيع النخب السياسية والاجتماعية الحالية أن تتجاوز ذهنية الاحتكار، وتفتح المجال أمام جيل لم يُعطَ حتى الآن الفرصة ليعبّر عن نفسه؟