السويداء.. الجبل على حافة الهاوية السورية

0

لطالما تمسك أهالي الجبل خلال الثورة السورية، بـ “استراتيجية التحصن خلف الخصوصية” تلك الخصوصية التي استمدت قوتها من هيبة الأمير سلطان باشا الأطرش بشاربيه المهيبين، فسوريا هي الجبل الأشم، والجبل يمثل كرامة سوريا واستمرار شموخه ضمانة لشموخ السوريين جميعاً.

هذه الخصوصية منحت سكان الجبل رفاهية التملص من استقبال براميل آل الأسد، ومكنتهم من الحفاظ على هدوء نسبي وسط بحر من الفوضى والدماء، نجحت تلك الطريقة في لجم الأسد ولم يجرؤ على التقدم نحو السويداء مخافة أن يفتح على نفسه أبواباً هو في غنى عنها.

لكنّ هذه الخصوصية استبيحت بشكل صارخ. من خلال الاعتداءات على رموزهم الدينية والشخصية التي اعتبرت بمثابة “بدع “، وتناثرت قدسية سلطان باشا الأطرش مع تناثر شاربي الشيخ مرهج شاهين في ساحة دارته، وموته حزناً وكمداً.

لم تسعفهم قوتهم المسلحة المحلية المحدودة ولا تحالفهم المعلن مع إسرائيل، التي لا يهمها في الواقع سوى تحويل الدروز إلى أداة ضغط ضد دمشق.

والخيط الهش الذي مدته لهم إسرائيل لم يكن في الواقع سوى وسيلة دعائية لضمان هدوء دروز الجولان. بعد أن أضحى إخوتهم السوريون جزءاً من عملية التفاوض.

الحق في التميز الثقافي والديني لا يناقش، لكن السؤال الجوهري هو، كيف يحافظ عليه تحت سقف دولة ترفض فكرةَ التنوع نفسها؟

في ظل التصعيد الأخير بين الحكومة السورية – جحافل البدو – الطائفة الدرزية في السويداء، وإسرائيل، تُشير التطورات إلى سيناريوهات متعددة تتأرجح بين الانفجار المحلي والتسوية المؤقتة. وتجري أحداثها في ظل معطيات دولية يجب ألا تغيب عن ذهن المراقب.

فالدروز أنفسهم ورغم أنهم، أصبحوا يمتلكون قوة عسكرية محلية لا بأس بها، يفتقرون إلى الحلفاء الخارجيين باستثناء تحالفهم (المشيطن) مع إسرائيل، الأمر الذي يحد من إمكانية تصعيدهم لمطالبهم.

والحكومة السورية رغم موقفها المتشدد أمنياً إلا أنها تحاول على الدوام، تجنب الصدام مع إسرائيل، التي بدورها ورغم حرصها على استرضاء الدروز والعلاقة مع الطائفة محلياً، لا تريد غوصاً عميقاً في الوحل السوري.

أما المايسترو الأكبر المتمثل بالولايات المتحدة فهي تفضل سيناريو بارد ينص على ضبط التوتر وتفادي انجرار المنطقة إلى تصعيد جديد، بما يتناسب مع الاستراتيجية الترامبية المعهودة.

إن سيناريو التهدئة المؤقتة هو المرجح حالياً، ومن معالمه الضغط الأمريكي والدولي على إسرائيل وسوريا لاحتواء الوضع، والانسحاب النسبي للقوات السورية من محيط السويداء.

ومن المرجح أن تتبعها تعهدات “غير معلنة” من دمشق بعدم التعرض للدروز، يرافقه دعم إنساني محدود للسويداء، وربما نشهد نشاطاً لوساطة روسية أو أردنية تظهر في الأفق. هذه الجهود بمجملها من المرجح، أن تؤدي في هذه الحالة إلى تجميد التوتر مؤقتاً.

إلا أنه من غير المرجح أن تتلاشى حالة الغليان في السويداء بهذه السهولة فالتجاوزات كانت مؤلمة واحتمال عودة الاحتجاجات واردة.

أما السيناريو الثاني، فمن الممكن ظهوره إذا فشلت محاولات التهدئة، أو تحركت العشائر المسلحة أو بعض فصائل المعارضة على طرفي النزاع، ويظهر حينها خطر امتداد التوتر إلى درعا أو الجولان. الأمر الذي قد يجر ورائه انغماساً عسكرياً أوسع من قبل حكومة دمشق (التي ذكر كل من ترامب ونتنياهو أنها أساءت قراءة الرسالة وتفسير محتواها)، وتستجر ردود فعل إسرائيلية جديدة، من الممكن أن تؤدي إلى توليد حركة نزوح واسعة من السويداء، الأمر الذي قد يحول الجنوب السوري إلى ساحة مواجهة ثلاثية (حكومة دمشق – الدروز – إسرائيل). ويؤدي إلى ظهور مخاطر انفجار داخلي واسع في الجنوب السوري بأكمله.

ومن خلال سيناريو ثالث يمكن أن نشهد تسوية درزية – حكومية تكون نتاج جهود وسطاء مثل روسيا، الأردن لتقريب وجهات النظر تقدم من خلالها الحكومة السورية ضمانات للإبقاء على الخصوصية الأمنية والإدارية في السويداء. وتدمج على إثرها “قوات مشايخ الكرامة” أو الفصائل المحلية ضمن صيغة “قوات رديفة” كما حصل سابقاً في درعا، ما قد يؤدي إلى تقليص التوتر على المدى القصير وتتحقق من خلالها بعض المكاسب المحلية للدروز ولكن الوضع يبقى هشاً دون حلول عميقة.

أما سيناريو، تدويل الملف الدرزي الذي يدعو إليه الشيخ الهجري، والذي سيترافق بلا شك بازدياد الانخراط الإسرائيلي في الملف من خلال تقديم مزيد من الدعم اللوجستي أو العسكري المباشر لقوى محلية درزية، وفتح الباب لتدخل دولي أوسع (فرنسا، أمريكا، الأمم المتحدة)، الأمر الذي قد ينجم عنه إمكانية إنشاء “منطقة عازلة” جنوب سوريا ما يمهد لخطر تصعيد إقليمي ويحول السويداء إلى ملف دولي.

أما السيناريو الكابوس، فيتمثل في عودة النظام بقوة النار والحديد، وحدوث انهيار داخلي شامل في السويداء وموجات نزوح جماعي وفقدان ثقة أهالي الجبل بالحكومة السورية نهائياً وبروز شقاق داخلي بين مشايخ العقل والفصائل المسلحة إلى الواجهة العلنية على وقع إلغاء ممنهج للخصوصية، ونهاية الطابع الخاص للسويداء، وموجات نزوح تفرخ دعوات معلنة للتقسيم.

هنا، لن تكون الخسارة درزية فحسب، بل سورية بالكامل.

تكمن المأساة في أن دمشق، رغم كل الدروس، تصر على معاملة التنوع كـ “خطر” يجب قمعه، لا كـثروة وطنية تصان.

السويداء مرآة لعقلية سياسية عاجزة عن تجاوز منطق الأكثرية الطاغية والأقلية الخانعة.

أي سيناريو سيحدث؟ الجواب يتعلق جدلياً بخطوة دمشق الأولى، هل ستدرك دمشق أن قمع التميز في الجبل هو بداية انهيار فكرة “سوريا الواحدة” ذاتها؟ أم ستظل تمارس انتحارها البطيء تحت شعار “السيادة” الزائفة؟ التاريخ لا يرحم من لا يتعلم من دروس الجغرافيا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني