الدكتور حسين مرهج العمّاش الرئيس السابق لمكتب مكافحة البطالة في سوريا لـ نينار برس: المربع الذي يجمع السوريين هو مربع تحقّق طموحاتهم في الأمان والعيش الكريم والمشاركة في صنع مستقبلهم

0

يحتاج السوريون حكومة وشعباً إلى قراءة واقعهم الحالي وفهم متطلباته بما يحقّق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هذا الاستقرار لا يولد من ضجيج الشعارات وكثرة الوعود، إنما يولد من مربع تجتمع فيه مصالح كل فئات الشعب السوري على اختلاف تلوناتها.

نينار برس تواصلت مع الدكتور في الاقتصاد حسين مرهج العمّاش رئيس مكتب مكافحة البطالة السابق ورئيس جامعة الجزيرة السابق، وطرحت عليه أسئلتها، فكان هذا الحوار

  • نينار برس

سوريا تمشي نحو الاستقرار العام، ولكنها لم تستقر بعد سياسياً وأمنيّا واقتصادياً بسبب تفاوت مصالح الفئات المختلفة. كيف يمكن أن نوجد مربع تقاطع مصالح بين هذه الفئات بما يعزّز استقلال البلاد ووحدتها ضمن منظور واحد؟

نحو الاستقرار وانتهاج العملية الديمقراطية

يجيب الدكتور حسين العمّاش على سؤالنا الأول فيقول:

 نعم سورية تسير نحو الاستقرار العام بخطٍ بياني رغم تأرجحه أحياناً. والتحسن العام في عدة نواحي إنسانية وثقافية وتنظيمية واضح للعيان. ولكن هذا لا يخفي جيوب من الإخفاق هنا وهناك.

ويضيف الدكتور العمّاش:

وكما تسأل عن المربع الذي يجمع مصالح السوريين؟ هو المربع الذي يلبي طموحات السوريين في العيش الكريم والأمان والمشاركة في صنع مستقبل بلدهم. ربما هنالك مربعات عدّة حسب الفئات السياسية والدينية والفكرية. وعندما أرى هذا التباين الواسع في هذه الفترة الانتقالية أعود إلى هدف الثورة السورية العظيمة بعد تحطيم الاستبداد، هو إقامة الدولة الديمقراطية، التي تعزّز المواطنة، وتحترم الهوية العربية الإسلامية لهذا الشعب العظيم. وهذا يعني بمختصر القول إن هذا المربع المنشود هو البدء بانتهاج العملية الديمقراطية الشاملة الحرة، التي سيشارك فيها كلّ المواطنين وكأنهم يركبون مركباً واحداً يقودهم إلى مجتمع حيوي يفهم حقوقه حتى وإن كان متعدد الآراء والأفكار. والمنهج الديمقراطي سوف يُلزم كلّ الأفراد والفئات باحترام قواعد المشاركة والمواطنة.

تقصير المدّة الانتقالية وانتخابات محلّية

ويوضح الدكتور العمّاش:

حتى نبدأ ببناء هذا المربع، نتمنى على الحكومة الانتقالية تقصير فترة المرحلة الانتقالية من خمس سنوات الى سنتين فقط على الأكثر. والبدء بالانتخابات المحلية فوراً لامتصاص الشكوى المتزايدة من الإهمال والتهميش، ثم التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية بنهاية العامين. وتجنبنا لمزيد من التخندق المناطقي، فإنه من المعروف إن الانهيار الثلجي يبدأ بحجرة صغيرة عند القمة، ثم يتراكم الثلج المتحرك ويصبح انهياراً مدمراً.

  • نينار برس

سوريا بحاجة إلى خارطة طريق واقعية وممكنة للخروج من وضعها الحالي المتعثر إلى وضع تكون فيه التنمية المستدامة هي قاعدة الوحدة والتطور. لو كلفتكم الحكومة الانتقالية بوضع خطة في ذلك ما محاور هذه الخطة وما أولوياتها؟

ضرورة مراجعة جذرية لأسلوب الحكم

يقول الدكتور حسين مرهج العمّاش في إجابته على سؤالنا الثاني:

هذا السؤال مرتبط بالسؤال الأول والجواب عنهما متماثل وهو تبني الديمقراطية رغم انها كلمة مرة كما يبدو على لسان رجال السلطة والحكومة الانتقالية.

لو كلفتني الحكومة بوضع خطة لذلك فإنني سوف ألخصها بكلمتين: الأولى وهي مراجعة جذرية لأسلوب الحكم وإدارة الدولة، والثانية تبنّي النهج الديمقراطي.

1- والأولى فورية، وتتمثل بوقفة جادة وتصحيح ومراجعة جذرية وجادة لأسلوب السلطة والحكومة الانتقالية في إدارة الدولة. وكأني أرى الحكومة قد وصلت الى طريق مسدود، بل إلى مأزق حقيقي ولا تعترف بذلك. فهو أسلوب عشوائي ويتجاهل الواقع والتراث المتراكم من المعرفة والممارسات. لا ندافع عن إلغاء كل الممارسات الإجرامية لنظام الأسد. ولكن الحكمة تقول “لو دامت لغيرك لما اتصلت إليك”. لا يجوز أن نهدم كل شيء لنبني شيئاً لا نعرف كنهه.

2- أما الكلمة الثانية فهي البدء ببناء الدولة الديمقراطية، حتى وإن كانت تختلف عن تفكير المقاتلين عندما كانوا في ادلب. ولكن عندما لبسوا لباس الثورة ورفعوا رايتها فلم يعد مقبولاً منهم التنصل من أهداف الثورة. والآن، نرى بداية المأزق السياسي الذي دخلته الدولة السورية منتصف عام 2025 وأصبح مهلكاً.

المطلوب الأول بسط الأمن في كل سوريا

ويتابع الدكتور العمّاش إجابته فيقول:

أما إذا رجعت الى سؤالك عن خارطة الطريق وهي الكلمة الأكثر تداولاً في جلسات الفكر، فإن قناعتي إن كلمة خارطة الطريق ليس مكانها هنا الآن، وإنما المطلوب احترام رأي ورغبة الشعب السوري وخاصة حاضنته الثورية.  ولو أننا استخدمنا تعبير خارطة الطريق مجاملة لقلت أول خطوة هي بسط الأمن في كافة أنحاء الجمهورية، وتوحيد أجزائها بالقوة الناعمة والمشاركة قبل اللجوء الى القوة العسكرية الخشنة. وبسط الأمن هذا ليس باستعراض القوة ومظاهر الأسلحة. فهذا الشعب العربي هو شعب حر ويحلم باحترامه من قبل حكومته ومشاركته في صنع مستقبله. ولم يعد يخيفه مظاهر العسكرة فقد رأى هذا الشعب من الأسد كل الأنواع البشعة من مظاهر القوة وتحمّل وصَبر وقاتل. وهو يتمنى أن يرى من حكومته اليوم انفتاحاً فعلياً واحتراماً فعليّاً لرأيه ودوره، وليس ليكونوا أجراء، بل شركاء بعيداً عن التعابير المموهة.

ويعتقد الدكتور العمّاش:

ربما الخطوة الثانية من خارطة الطريق هذه هي تحسين معيشته اليومية من كسب قوته ومن الخدمات والمرافق المعقولة. وبعد 8 أشهر لم يعد مقتنعاً بتبريرات الحكومة، إنها بسبب جرائم الأسد. الشعب الآن لا يطلب الكمال، وإنما الحد الأدنى المعقول من التحسن الذي لا يزال أغلبه غائباً. وعندما يسمع من إعلام الحكومة عن التوقيع على هذه المشاريع العملاقة فإنه بالتأكيد سوف يصاب بالإحباط ويقول إنها ليست لي.

أما الخطوة الثالثة فهي إعادة اللاجئين وبدء الاعمار. وهذه أولوية قصوى سياسياً واستراتيجياً. وحتى بعد مرور نحو 8 شهور على سقوط نظام الأسد لم تستطع الحكومة إعلان برنامجها في إعادة اللاجئين أو في بدء إعمار وإصلاح ما تهدم. وإنما تقفز قفزات بهلوانية كبيرة في الهواء علها تغطي عجزها الفعلي.

أما الخطوة الرابعة فهي الإعلان السياسي للبدء ببناء الدولة الديمقراطية والانتخابات الحرة لكل المواطنين، فكلهم متساوون في الحقوق والواجبات. وكلهم متساوون بالوقوف امام الله سبحانه وتعالى يوم الحق. فلا يجوز أن نقسم الشعب بعد تطبيق العدالة والمحاسبة. وآن الوقت لتتوقف عن المهرجان العبثي عن انتخابات مجلس الشعب المعيّن من قبل الحكومة.

  • نينار برس

السياسة عصب الحياة في المجتمعات والبلدان. وسوريا تعاني من غياب حياة سياسية حقيقية.

هل تتوقعون أن تكون الحكومة الانتقالية الحالية قادرة على تنفيذ برامج تطوير البلاد في ظل غياب الإحساس بأهمية تمثيل الفئات سياسياً؟ لماذا تؤخر هذه الحكومة إقرار قانون أحزاب ينظّم الحياة السياسية ويسمح بالتنافس؟

هل تستطيع حكومة يسيطر عليها اللون الواحد إنجاز تطوير البلاد في ظل وجود التباينات والرؤى بين القوى السياسية؟

غموض في النهجين السياسي والاقتصادي

يجيبنا الدكتور حسين مرهج العمّاش على سؤالنا الثالث فيقول:

لا لن تنجز هذه الحكومة المأمول منها. معك حق. هذه الحكومة الانتقالية ذات اللون الواحد ليست قادرة ولن تكون قادرة على تنفيذ برامج تطوير البلاد بسبب غموض النهج السياسي وبسبب غموض النهج الاقتصادي. فهي فعلياً تقف حائرة بين ما تريده سراً وبين ما تمارسه فعلاً. خاصة وإذا اضفنا إليها أن اغلب الوزراء من خارج هيئة تحرير الشام الذين هم ممن يمكن وصفهم بالرماديين او عديمي الهوية السياسية بالمرة. إذا الوزير ليس له هوية سياسية فهو عديم الفائدة استراتيجياً، وليس أكثر من موظف كبير ينفّذ ما يملى عليه. وأكثر الوزراء في هذه الحكومة من هذا الصنف البسيط.  وليغطوا نقصهم الاستراتيجي تراهم يرددون كلمات براقة مثل سنغافورة أو دبي أو بلجيكا، لأنه ليس لهم انتماء فعلي للشعب.

في هذا الظرف الانتقالي الصعب نحتاج إلى وزارة كفاءات في ظل منهاج سياسي انتقالي واضح المعالم. وبما إن هذه الحكومة لديها حساسية تجاه الأحزاب فإنها ستبقى تدور في حلقة مفرغة، ولا تستطيع وضع سياسات، أو الأولويات التي تهمّ المواطن وسلامة الوطن، وليس فقط هيبة الحكومة.

ربما الاجراء الأهم الآن هو الانتقال من مرحلة الحذر إلى مرحلة القرار بتشكيل حكومة تمثيلية واسعة، وإعلان برامج اقتصادية وسياسية محددة، والبدء بالنهج الديمقراطي من خلال تعديل الإعلان الدستوري، والتحوّل إلى حكومة مشاركة وليست حكومة المتغلّب.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني