
الحب الدافق
تحجز لنا فاطمة البقاعي مؤلفة رواية “حبيبي كجبران” مقعداً نرقب من خلاله سيرة عاشقين لوعهما الحب وعركتهما الأيام كي ينضج حبهما ويغدو على ذلك المنظر البهيج الذي نقف أمامه والدهشة تحتل كل بقعة منا، وكأنها في فعلها هذا تريد أن تقول لنا: هناك متسع كبير من الأمل والحب يمكن أن يكون بديلاً عن الحرب والكره.
لقد أضافت الكاتبة إلى ثنائيات العشق التي نعرفها ثنائية جديدة تمثلت في بطليها “حسن وحسناء” لتقدم لنا في سرديتها المطولة المفاجأة تلو الأخرى والتي ينتمي بعضها إلى النوع الثقيل، ونحسب أنها قد أحدثت فوارق جذرية في متونها السردية وخاصة وهي تكشف لنا في النهاية أن من كانت تراسله البطلة “حسناء” هو حبيب والدتها، وقد فرقت بينهما ظروف الحياة القاسية، وكان يمكن أن تجعل من العاشق بعيداً إلى أقاصي البعد عن معشوقته.
هذه الرواية تأخذنا كي نغتسل بماء نبع صاف ورقاق، ولنستمتع بصوت النايات وهي تعزف على قيثارة الروح، ولنلهث خلف حكاياتها ونعيش على صدى الذكريات البعيدة، وهي تشبه قصيدة خطتها عاشقة تنتظر انبلاج ليل طويل.
في مثل هذه الثنائيات دروب العشاق ليست معبدة وسهلة، لأنها تشتبك وتتعالق مع المجتمع المحيط والظروف القهرية لذلك تغدو ليالي العشاق صعبة وقاسية والنهارات شمس ملتهبة، لتعترض سبيلنا مشقة الوصول إلى الضفة الأخرى والآخر الذي ينتظرنا وهي تتساوى وتتماشى مع الدخول إلى القلب والشريان، ليكون القرب هو المكان الأكثر دفئاً وصدر الحبيب هو المكان الذي نشعر فيه بالأمان.
اعتمدت المؤلفة في هذا العمل على أكثر من أسلوب في الوصول إلى أهدافها، وإن كان هناك خط عام سار عليه عملها، فقد رفدت جريانه في عدد من الحكايات التي تضافرت وساندت خطها للوصول إلى الذروة المأمولة من الفن الروائي، كما تنوع السرد ليكون بسيطاً وحلو المذاق حيناً ومسبوكاً ينغمس في الحب ومكابداته في حين آخر حيث نجد أنفسنا أمام سرد يتجاوز التقليدي ويبحر نحو حب جارف غير هياب أو مكترث بالصعاب، ونجد العاشقة على سبيل المثال تتمنى كما تقول سطور الرواية لو أنها تستطيع أن تقدم عينها وتتخلى عنها للحبيب، ولو تستطيع لنزعت قلبها وأرسلتها إليه، وهي مستعدة أن تهبه عمرها من أجل أن يكون سعيداً، والأمر بطبيعة الحال لم يتوقف عند التمني فقد كان ذلك فعلاً حقيقياً، وهو بالمقابل كان ذلك العاشق الذي غامر بحياته وضحى بالكثير من أجل الحبيبة.
تمتد هذه الرواية على مدى سنوات غير قليلة وقد خطتها الكاتبة بسحرية واقعية فوق الورق ناثرة عليها ماء الورد وعبق القرنقل، جاعلة من نبض القلب ولوعة الحنين وعمق الأشواق مهتدى لأرواح أبطالها الذي جعلوا من تلك الكلمات غذاء وبلسماً وترياقاً لندوب طفحت في وقت المحنة على قلوبهم.
وفي هذه العجالة نؤكد أن المؤلفة فاطمة البقاعي قد بنت مداميك روايتها بتمهل لبنة فوق لبنة، لترتفع وتغدو بذاك العلو الشاهق الذي ينتصر فيه الحب في نهاية الأمر، ليكون دافقاً وبهياً وصافياً كما هو وهي بذلك تبث في نفوسنا نوراً نأمل أن يبزغ ويتقد من جديد.