
الجهل البنيوي في ترتيب البيت السوريّ (إسقاط لغويّ)
المخيال الاجتماعي:
نحن – السوريّين – نظنّ أنّنا على معرفة جيّدة ببعضنا وبعاداتنا وطبيعة عيشنا. ونعتقد أنّ لكلّ منّا معرفة كافية بالمكوّنات الأخرى التي تشاركنا وطننا وتاريخنا. بيد أنّ الواقع يكشف خطأ هذا التصوّر، ويبيّن أنّنا نجهل أكثر ممّا نظنّ أنّنا نعرفه من حقيقة أبناء بلدنا وشركاء وطننا.
فتسعون بالمئة [90%] ممّا يقال عن السنّة غير صحيح، وهو من الأوهام الموجودة في رؤوس أصحابها فقط.
وتسعون بالمئة [90%] ممّا يقال عن العلويّين هو غير صحيح، وهو كذلك من أوهام الحكايات.
وتسعون بالمئة [90%] ممّا يقال عن الأكراد غير صحيح، ومن التوهّمات.
وتسعون بالمئة [90%] من أصحاب هذه القناعات والأوهام يعتقدون أنّ معلوماتهم صحيحة. وهذه كلّها أو أغلبها نسجها المخيال الاجتماعيّ – الشعبيّ المنعزل وغير المطّلع.
هذه ثلاثة مكوّنات، أزعم أنّي أعرفها اجتماعيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً وعقديّاً. وأظنّ أنّ هذا الجهل يلمسه مَن يعرف المكوّنات الأخرى.
مواطن الخلل الاجتماعيّ:
الخللُ يكمن في ثلاثة أمور رئيسة، ويمكن تجسيدها وتبيينها بوساطة المقاربة اللغويّة القادرة على مدّنا بصورة واضحة عن البنية التكوينيّة للشعب السوريّ:
الخلل الأوّل في عدم انتظام البنية المجتمعيّة على نحو صحيح؛ فكأنّنا- الشعب السوريّ بمكوّناته الطائفيّة والعرقيّة والدينيّة- جملةٌ ذات دلالة موجودة لكنّها غير منتظمة، لا نحويّاً ولا بلاغيّاً، وتشكو خللاً في عناصر التماسك النصيّ، فتعطي معنى ثقافيّاً نسقيّاً خطيراً، يلغي الحمولة الجماليّة التي تقتضيها معاني النحو وسياقاتُ البلاغة.
حقّاً كأنّنا – السوريّين – هذه الجملة: (“لسنا واحد وفي بلد واحد، شعب نحن نفترق ولا نتفق”). علماً أن انتظامها الصحيح: (“نحن شعب واحد في بلد واحد، نتّفق ولسنا نفترق”).
وأمّا الخلل الثاني [وهو سبب علّة الخلل الأول] فإنّنا نُسقط التفسير السياسيّ على السياقات الاجتماعيّة والأخلاقيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والعقديّة. فلا شكّ أن السياسة لا تخلو من كذب وجور وانحراف وخيانات. وهذه حالة بشريّة معروفة في التاريخ السياسيّ، تنطبق على كلّ مَن يدخل مضمار السلطة، ولا علاقة لها بمكوّن محدّد من دون سواه، وبعيدة عن التكوين الأخلاقيّ والاجتماعيّ والثقافيّ لأصحاب السلطة في حال خروجهم من دائرة السياسة [ومن شاهد فيلم البريء سيظهر له هذا الأمر جليّاً من خلال دور الضابط محمود عبدالعزيز].
وهذا الإسقاط السياسيّ يقتضي تلاعباً بلاغيّاً من خلال كسر النسق الجماليّ، بغاية إنجاز وظيفة نسقيّة ما، يريدها مؤلِّف النصّ وصانعه؛ وهذا عُرف بلاغيّ معهود، كصنيع الفرزدق حين أراد أن يمرّر في ممدوحه دلالةً نسقيّةً من تحت إيهاب بيته بحسب ما شاع:
وما مثله في الناسِ إلّا مُمَلّكاً
أبو أمّه حيٌّ أبوه يقاربه.
فقد قاله في مدح إبراهيم المخزوميّ خال هشام بن عبدالملك بن مروان. والأصل في ترتيب البيت على النحو الآتي:
“وما مثله في الناس حيٌّ يقاربه إلّا مُمَلّكٌ أبو أمّه أبوه”.
وقيل إنّما قصد الفرزدق من وراء هذا التعقيد اللفظيّ، تأخيراً وتقديماً، الاستهانةَ بالممدوح.
كذلك نحن اليوم بنية نصيّة أعادت يد الصانع إنتاجها، فكسرت نسقها الجماليّ والنحويّ الصحيح، ووظّفت مكوّناتها على نحو نسقيّ يحقّق مراد ذاك الصانع.
وأمّا الخلل الثالث (وهو سبب رئيس ساعد على تبلور الخللين السابقين، وسهّل تمريرهما وقبولهما في الوعي الجمعيّ للمكوّنات المختلفة)، فيعود إلى افتقاد المجتمع السوريّ، بمكوّناته المذهبيّة والعرقيّة، إلى أدوات الربط التي تتيح له تحقيق التداخل والسبك ومن ثَمّ التفاعل البنيويّ الحقيقيّ، وليس الشكليّ. فالعلاقة بين المكوّنات شكليّة خارجيّة غير حقيقيّة، ولا تمسّ جوهر الاجتماع البشريّ – الإنسانيّ المفترض؛ فهي تقتصر على علاقات الزمالة في العمل وضمن دوائر الدولة، وعلى الاحتكاك السلعيّ – الاستهلاكيّ، في المحلّات والمتاجر ضمن المناطق التي تشهد تنوّعاً طائفيّاً وعرقيّاً، أي محصور ضمن دائرة البيع والشراء، إضافة إلى علاقات الصداقة المحدودة (والمحدودة جدّاً) بين بعض الأفراد من مكوّنات مختلفة. وهذه الصداقة، في أغلب أحوالها، تكون ملتزمة بعدم الاقتراب من التفاصيل الجوهريّة والحسّاسة الخاصّة بطبيعة هذه المكوّنات وثقافتها وفلسفة حياتها.
ولذلك، فلا وجود لعلاقات النسب والمصاهرة، إلّا في حالات نادرة جدّاً وضمن تركيبة طبقيّة تكون فيها الأطراف المتصاهرة بعيدة نسبيّاً عن ارتباطاتها الطائفيّة والعرقيّة، وتجمعها منظومة اقتصاديّة أو علميّة واحدة بديلة عن الانتماء الطائفيّ أو العرقيّ. كذلك، لا وجود لعلاقات الشراكة الاقتصاديّة أو التجاريّة، ولا شيء من المكاشفات العقديّة والاجتماعيّة بعيداً عن المنطق الدوغمائيّ الإقصائيّ. وهذا يعني أن العلاقات بين أبناء هذه المكوّنات هي علاقات مقتصرة على الأفراد ولا تتجاوزهم، فكلّ منهم يأتي وقد أقفل باب سجنه الاجتماعيّ على طائفته أو عرقه وتركه خلفه، فيتلاقى السوريّون منبتّين عن جذورهم وتكويناتهم الخاصّة، وكأنّها أسرار يُحظر البوح بها.
فنحن – السوريّين – أشبه بجزر متجاورة غير مترابطة، أو هي كمفردات متلاحقة من دون أدوات الربط، من حروف العطف والجرّ وعلاقات الإسناد الصحيحة، التي تمكّنها من تحقيق التماسك النصيّ والتكوين السياقيّ الصحيح والمتكامل المُعرِب عن معنى واضح ودلالة مفهومة، ضمن منظومة لغويّة تحقّق شروط النظم، سياقيّاً ومرجعيّاً ونحويّاً وبلاغيّاً ومعجميّاً ودلاليّاً. وهذا هو التفاعل الحقيقيّ الذي يحقّق الترابط المجتمعيّ المتين، والتماسك البنيويّ القويم. فالمصاهرة وما يتبعها من تداخل النسب، وعلاقات الشراكة الأخرى المتينة والمتجذرة، والصداقات الحقيقيّة العميقة، والمكاشفات العقديّة والاجتماعيّة الصادقة، هي أدوات ربط المجتمع وضمان تماسكه الناجع. وهذا التداخل يمكّن المجتمع من فهم بعضه وتأسيس تعايشه على أسس اجتماعيّة/إنسانيّة سليمة، تفتح الباب على سجن الطائفة والعرق والدين، وتقدّم الأفراد في علاقاتهم موصولين بجذورهم وتكويناتهم، التي تشكّل المرجعيّات الناظمة للسياق والضامنة لإنجاز تماسكه المعنويّ. وعليه فالمجتمع يحتاج إلى وسيلتين لتحقيق تماسكه وضمان انسجامه: أدوات الربط التي تضمن تماسكه السياقيّ – النحويّ المجسّد والمرئيّ (في المصاهرة والشراكة، والصداقة العميقة)، والمرجع المعجميّ المشترك أو الواضح للمتفاعلين والمتحاورين (في المكاشفة البنّاءة، والانفتاح على الجذور والتكوينات المتعدّدة) الذي يعين على إنجاز التفاهم، ويضمن التماسك المعنويّ للشعب بمكوّناته ومجتمعاته وبيئاته المختلفة.
إذن، مثلما يكون هناك تركيب سياقيّ، مؤلّف من مفردات وأدوات ربط ومرجع معجميّ ودلالة نحويّة ومتحاورِينَ، ويعتمد فيه التواصل على مدى نجاعة الأسلوب في اختيار الترتيب وأدوات الربط الحرفيّ وفي استحضار المرجع المعجميّ؛ فينتقل بنا الترتيب من الكلام المبعثر غير المترابط ولا المفهوم، إلى السياق الصحيح الذي يعيد إنتاج الدلالة النحويّة المفهومة والمعبّرة، وقد يصل إلى تكوين سياق شعريّ يرتقي بالدلالة إلى مصاف الدلالة الأدبيّة الشاعريّة التي تضفي على بنية السياق قيمة جماليّة مبهرة وجذّابة.
مثلما لدينا هذا التكوين اللغويّ، لدينا كذلك مكوّنات طائفيّة وعرقيّة ودينيّة، بل ومذهبيّة- أيضاً- تحتاج إلى إعادة ترتيب وتكوين يجعل منها بنية اجتماعيّة- إنسانيّة متماسكة ذات معنى، تنقل البلد من حالة التبعثر إلى الانتظام والتعالق، وربّما تنقلنا من علاقة التفاهم الصحيح إلى التركيب المجتمعيّ الذي يصنع بنية مجتمعيّة جماليّة مبهرة.
فالبيت الشعريّ الجميل كان كلماتٍ جامدة مسكونة في المعجم، امتدّت إليها يد الشاعر ووحّدتها في بيت وسياق. ويمكن إرجاعه – مرّة أخرى – إلى كلمات مبعثرة متنافرة؛ كلّ ذلك يعتمد على صحّة الترتيب والأسلوب في السبك والتماسك، وعلى يد الصانع والمؤلّف وقريحته ونيّته.
والبيت السوريّ يمكن أن نصنع منه نظماً أخّاذاً، ويمكن أن نجعله ليس أكثر من مفردات متنافرة بلا معنى ولا سياق، ولا مرجع ولا ضابط. أي نحن أمام خيارين إمّا أن نعيد ترتيبه ونظمه فنحقّق جماله، وإمّا أن نتركه مبعثراً تحت يدي مبعثريه، فنكون بيتاً مهلهلاً وشعباً بلا معنى.
قد يبدو لبعضهم أنّ هذه المقاربة البنيويّة اللغويّة مقاربة طوباويّة، بعيدة عن الواقع السوريّ، فلا تغني ولا تجدي. وهذا توجّه خاطئ ونكوص عن إيجاد النظام الجامع للكون والحياة، وعجز عن البحث في النظام اللغويّ عن بنية المجتمع ونظامه. وهذا نهج اتبعه كثيرون من علماء الأنثروبولوجيا والنفس وغيرها من حقول المعرفة، حين وجدوا في البنية اللغويّة نواة للبنية المجتمعيّة البشريّة، يمكنهم من خلالها كشف آليّة تكوين المجتمعات وطريقة حركتها الآنيّة وصيرورتها التاريخيّة.
وهذه المقاربة لا تعطي الحلّ، بقدر ما تكشف مواطن الخلل، من خلال مقاربة بنيويّة لغويّة مبسّطة وشارحة.