
التقسيم الصوتي والإيقاع الموسيقي
دراسة في الشعر العربي الحديث
إن الشاعر المبدع هو الذي يقوم – بلا وعي – باختيار الموسيقى الداخلية الملائمة للجيشان الانفعالي الذي يكسو التجربة الشعرية بالاعتماد على الألفاظ التي تشكل وحدة لحنية مميزة؛ إذ “ليس أوفق للشعر من العبارات التي تنتظم فيها حركات الإعراب، وتقابل مقاطع العروض وأبواب الأوزان؛ لأن هذه الحركات والعلامات تجرى مجرى الأصوات الموسيقية، وتستقر في مواضعها المحددة حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع”.[1]
ويعد “حسن فتح الباب” من أبرز الشعراء المهتمين بتقديم الموسيقى التعبيرية الخفية عبر قصائده الشعرية من خلال الموسيقى اللفظية والتوازنات الصوتية؛ حيث عمد إلى استخدام التقسيم الصوتي في العديد من المواضع، الأمر الذي يجعل من السطر الشعري وحدات وزنية يستمتع بها المتلقي، فضلاً عما يقوم به التقسيم من إحداث تماثل شديد داخل السطر الشعري عن طريق خلق تراكيب وأنساق داخلية تتشابه فيما بينها إيقاعياً وتركيبياً.
وعلينا الآن أن نرى كيف يصبح التقسيم ظاهرة واضحة المعالم بارزة السمات تؤدى دورها في بنية النص الشعري، ثم نرى – من خلال الأمثلة – كيف يأتي التقسيم على نسق معين داخل إطار التجربة الشعرية.
لقد جاء التقسيم في شعر “حسن فتح الباب” على أنماط متفاوتة، فعنده من التقسيم ما هو ثنائي بمعنى أن يكون السطر مقسماً إلى قسمين، ومن ذلك قوله:
ظلنا جاثم
يومنا واجم
غدنا ينتحر
شمسنا تنحسر
والخسوف القمر
ما لها الأزمنة
غالت الأمكنة
فهوى قلبنا
تحت أقدامنا
ضل عن موطنه[2]
في النموذج السابق لجأ الشاعر إلى صياغة وحدات موسيقية متوازنة تتكون من كلمتين في كل سطر، فتحدث نغماً موسيقيا موقعاً مرتبطاً بالتجربة الشعرية؛ لذا نجد الإيقاع واللحن هادئين منخفضين انخفاض النفس وانكسارها، إذ أحاطت به الأحزان واستولت عليه الهموم، وتعدد الأقسام جاء نتيجة الشكوى البائسة، فبطء اللحن الموسيقى يعكس مدى مصائبه، وينشرها أمام المتلقي واحدة تلو الأخرى، فتتمثل في ذهنه وتتضح صورها، وعندئذ يكون الشاعر قد بلغ مراده باستثارة المخزون النفسي من المشاعر والأحاسيس الكامنة في أعماق المتلقي.
وقد ساعد على بطء الإيقاع الموسيقي المجسد لهذه التجربة انتشار الحركات الطويلة، والتي يتطلب إشباعها تمهيداً في إنشاء الكلمات بنسق خاص لتركيب الأصوات، فالتقسيم يعطى ” كثافة موسيقية تستلزم كثافة دلالية، ترتبط بالنص وبالسياق الذي يعمل فيه الشاعر على تخدير شعور المتلقي ليسرب إلى نفسه حالة معينة”.[3]
ومن التقسيم الثلاثي قول الشاعر:
الأفق غمامات بنفسج
وشراع في الموج يصفق
وضلوع ضاوية تخفق
شوقاً للعصفور الأزرق
*** ***
لا تبعد فالأيك وريف
والشط عيون وقطوف
وشفاه بالحب ترقرق
ألحان العصفور الأزرق
******
الأيدى السمراء تلاقت
وقلوب الأحباب تنادت
تدعو، تدعوك، تحيّى
بهتاف العصفور الأزرق[4]
واضح أن القصيدة كلها تغمرها روح الفرح والأمل، كما تكسوها راحة نفسية للشاعر، لذا لابد أن يكون الإنشاء مطرباً مختالاً، حيث تغمره فرحة عارمة جعلته يسكب أسبابها بسرعة متلاحقة، وهذا حال من به فرح غامر، فإذا سألته عن أسباب ذلك تلاحقت أنفاسه، وأسرعت كلماته وتتابعت جمله، وقد ساعد التنوين في “شراعٌ”، “ضلوعٌ”، “شوقاً”، “عيونٌ”، “شفاهٌ” على إنتاج نغمة موسيقية مميزة تربط الوحدات اللحنية داخل النص، من خلال امتداد النغم الذى يدعو الذهن إلى تأمل معنى العبارة وإدراك دلالتها، هذا فضلاً عن استخدام حرف العطف “الواو” مع العديد من الألفاظ التي تتوالى بسرعة تستلزم عدم التوقف لتصف وتوضح حالة الفرح الغامر، فهناك “غمامات بنفسج” “وشراع في الموج يصفق”، “وضلوع ضاوية تخفق”، “وشفاه بالحب ترقرق”..
وكأن الشاعر يقدم لنا ـ في تفصيل بعد إجمال ـ أسباب فرحته وحيثيات سعادته ودواعي أمله وبهجته، فالشاعر يستغل قدرة التقسيم على البث الموسيقى، ويؤكد أن التقسيم تنظمه طيات المعنى الشعري.
وهكذا يمثل النص وحدة إيقاعية نغمية نابعة من واقع التجربة الشعرية.
[1]– عباس محمود العقاد: اللغة الشاعرة – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1960 م – ص 21
[2]– حسن فتح الباب: العصافير تنفض أغلالها ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة -2001م ص 76
[3]– مصطفي السعدني: البناء اللفظي في لزوميات المعري (دراسة تحليلية بلاغية) منشأة المعارف – إسكندرية – 1985م – ص 45
[4]– حسن فتح الباب: الأعمال الشعرية الكاملة ـ المجلد الأول ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1998 م ـ ص 44، 45