
الإعلان الدستوري على طاولة المراجعة: هل يفتح الرئيس أحمد الشرع الباب أمام عقد وطني جامع؟
منذ لحظة الإعلان عن تشكيل السلطة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، عاش السوريون – في الداخل والشتات – على وقع آمال كبيرة بأن البلاد تدخل طوراً جديداً، مختلفاً في بنيته وشكله ومضمونه عن كل ما سبق. ومع مرور الوقت، تزايدت التحديات وبدأت تظهر التباينات، ليس فقط حول طبيعة الخطاب السياسي، بل حول الأسس القانونية والدستورية التي تنظم المرحلة الانتقالية. وفي قلب هذا الجدل، يقف الإعلان الدستوري، بوصفه الوثيقة الحاكمة لواحدة من أدق لحظات التاريخ السوري الحديث.
لقد أتى الإعلان الدستوري في ظروف استثنائية، حيث كانت الأولوية لمنع الفوضى، وترتيب السلطة مؤقتاً، وتجنب الانهيار الكامل. وهو بذلك أدى وظيفة فورية مهمة، لكنه، في المقابل، لم يُعطِ إجابات مقنعة على أسئلة المشاركة السياسية، وضمان التعددية، وتمثيل المكونات، وتوزيع السلطات بشكل عادل ومتوازن. بل إن كثيرين من الناشطين والمراقبين، وحتى بعض أطراف المعارضة المشاركة في العملية السياسية، يرون أن الإعلان صيغ بطريقة تمنح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة، لا تتسق مع روح المرحلة، ولا مع تضحيات السوريين.
سلطات مركزة وتغييب للتعددية
نص الإعلان الدستوري على أن رئيس الجمهورية يتولى، إلى جانب منصبه، رئاسة الحكومة، وله سلطة تعيين ثلث أعضاء البرلمان، إضافة إلى هيمنة فعلية على مؤسسات الدولة السيادية. هذه التركيبة تطرح تساؤلات جدية: هل نحن أمام مرحلة انتقال نحو الجمهورية، أم نحو جمهورية بصلاحيات استثنائية؟ وهل تقودنا هذه البنية إلى إعادة إنتاج مركزية القرار التي عانى منها السوريون لعقود تحت حكم الأسد؟
والأهم من ذلك، أن الإعلان لم يتضمن نصوصاً صريحة تضمن حرية العمل الحزبي، أو تكفل لممثلي المكونات المجتمعية والسياسية دوراً مباشراً في صناعة القرار، ما جعل فئات واسعة من السوريين تشعر بالتهميش، وكأنها خارج الحسابات، رغم أنها كانت في قلب الثورة وضحّت كغيرها، وربما أكثر.
فرص التعديل السياسي والواجب الأخلاقي
الرئيس أحمد الشرع، وبحكم موقعه، لا يواجه تحدياً قانونياً في فرض رؤيته، لكن التحدي الحقيقي يكمن في اختيار المسار الذي سيُبنى عليه مستقبل سوريا: هل نذهب إلى تكريس سلطة تُدار من فوق، أم إلى توافق وطني شامل يُنتج شرعية من القاعدة الشعبية والسياسية الصلبة؟
لا شك أن الشرعية التي يمتلكها الرئيس اليوم – سواء عبر الحاضنة الشعبية في الداخل أو الدعم الرمزي في الشتات – تمنحه فرصة نادرة لصياغة عقد اجتماعي جديد، على قاعدة التوازن بين السلطة والمجتمع، لا على أساس التفوق عليه.
كما أن تعديل الإعلان الدستوري ليس مجرد استجابة لضغوط المعارضة، بل هو واجب أخلاقي وسياسي لتأسيس جمهورية تشاركية، تُعيد الثقة للمواطن، وتمنح القوى السياسية المتنوعة شعوراً حقيقياً بالانتماء للمستقبل، لا فقط الماضي.
وحدة سوريا لا تُبنى بالحسم
ثمة من يرى أن الحسم العسكري لصالح الحكومة الانتقالية ممكن – أو على الأقل أنه قابل للتحقق في مناطق واسعة من البلاد. لكن السؤال الأهم ليس من يملك القوة، بل ما الذي سيفعله بها؟ سوريا، الدولة والمجتمع، لا يمكن أن تُبنى مجدداً بالقوة وحدها. والتاريخ السوري الحديث شاهد على أن الأنظمة التي حكمت بالسلاح فشلت في بناء وطن متماسك أو مجتمع سياسي متصالح.
البديل الحقيقي عن الصراع المستمر هو التوافق السياسي على أرضية دستورية واضحة. وهذا لن يتحقق دون معالجة الخلل في الإعلان الدستوري، سواء من حيث توزيع السلطة، أو الإقرار بالتعدد، أو من حيث ضمان الحقوق المدنية والسياسية لجميع السوريين، بلا استثناء.
اقتصاد بلا استقرار.. لا يعمّر بلداً
في ظل أزمة اقتصادية خانقة، ورغبة في جذب الاستثمارات، وإعادة بناء ما دمّرته الحرب، تبدو أهمية الاستقرار السياسي والدستوري مضاعفة. فلا مستثمر سيغامر في بيئة مشتعلة سياسياً، ولا مغترب سيعود إلى وطنه وهو يشعر أنه خارج المعادلة السياسية والاجتماعية.
الاستقرار الحقيقي ليس مجرد أمن عسكري، بل شعور جمعي بأن الجميع شركاء. لا أحد على الهامش، ولا أحد فوق الدولة. وعليه، فإن تعزيز التشاركية السياسية ليس ترفاً ولا تنازلاً، بل شرط جوهري للنهوض بسوريا من جديد.
نحو مؤتمر وطني جامع
كل ما سبق يقود إلى نتيجة منطقية: نحن بحاجة إلى مؤتمر وطني سوري شامل، يُعقد داخل سوريا، وتُشارك فيه كل القوى الفاعلة، من الداخل والخارج، من المعارضة والموالاة، من مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والمكونات المجتمعية. مؤتمر يعيد صياغة الإعلان الدستوري بشكل توافقي، ويطلق عملية سياسية تُبنى من القاعدة إلى القمة، لا العكس.
المطلوب ليس انقلاباً على الدولة، بل تجديداً لعقدها. والمطلوب ليس نزاعاً على السلطة، بل توافقاً على تقاسمها بما يضمن تمثيل الجميع، لا احتكار القرار باسم أحد.
كلمة أخيرة
الرئيس أحمد الشرع أمام لحظة استثنائية في التاريخ السوري. لحظة يمكن أن تؤسّس لجمهورية ثانية، تُبنى على قيم المشاركة والعدالة والتمثيل الواسع، لا على المركزية والتفرد. تعديل الإعلان الدستوري لا يُضعف الرئيس، بل يقوّيه. لأنه يوسّع قاعدته، ويحوّله من رأس سلطة إلى مؤسس لعهد سياسي جديد.
وفي النهاية، لن يُسأل الشرع في التاريخ عن عدد الأوامر التي أصدرها، بل عن عدد الشركاء الذين منحهم حق الجلوس إلى طاولة القرار.