الأسد والأسدية بين اليوم والغد

0

لقد سقط الأسد فرداً وتحرّرت سوريا من سطوته واستبداده. لكنّ الأسد لم يكن مجرد فرد واحد يشغل منصب الرئيس، وإنما كان منظومة متكاملة بُنيت على مدار عقود طويلة، ولذلك فهناك منظومة أسدية كانت تمسك بمفاصل الدولة وأركانها، عمودياً وأفقياً. وهذا يعني أن تلك المنظومة الأسدية أشبه بالأوعية والشرايين الممتدة في كامل الجسم، فهي – أيضاً – متغلغلة في كامل جسم الدولة. وهذا ما يمكن أن نسمّيه الدولة الأسدية العميقة.

ولقد سقط الأسد في الثامن من كانون الأوّل، وظلّت منظومته حيّة ممتدّة على الجغرافية السورية من أقصاها إلى أقصاها. وهذه المنظومة التي اعتادت طوال عقود على الفساد والمحسوبيات والرِشا؛ الأمر الذي أسهم في سرطنة دوائر الدولة وتسميم بنيتها الإدارية والسياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية.

وهذه البنية من الصعب التخلّص منها نهائياً في فترة قصيرة، بل الدولة تحتاج لزمن طويل نسبياً للتخلّص من هذا الورم السرطاني الذي استشرى في جسم الدولة، حتى سيطر على قيمها الأخلاقية والاعتبارية. وكما أن الجسم المسرطن بحاجة اضطرارية إلى جرعات كيماوية لإبرائه من مرضه المميت، جرعات تنهك الجسد ولكنْ لابد منها لإنقاذه من موته المحتّم، فكذلك لا بد للدولة من جرعات علاجية صعبة وعسيرة الهضم، ولابد من سنّ قوانين صارمة تراعي القيم الأخلاقية ومعايير النزاهة وتكون حريصة على حفظ بنية الدولة من التهالك والفساد.

نعم، نحن بحاجة إلى زمن طويل، تتجاوز فيه الدولةُ هذه الأجيال التي تربّت وترعرعت في منظومة الأسدية المهترئة، والتي تعوّدت على الفساد حتى باتت قيماً أخلاقية تسري في دماء الأجيال الأسدية، أجيال لا تجيد إلا الكذب والنفاق والتشاطر والبحث عن المكاسب الفردية والمصالح الأنانية. كل هذا يحتاج إلى صبر وانتظار رحيل هذه المنظومة، على شرط ألّا يجري تغذيتها وحمايتها من موتها المحتّم، فالدولة ماتزال تحركها منظومة منتهية الصلاحية، لكنّها تتجرّعها سمّاً سعافاً رغماً عنها، بانتظار أجيال جديدة يتمّ إعدادها وتربيتها تربية وطنية وأخلاقية قوامها الصدق والروح الجماعية والخوف على كيان الدولة وجوهرها.

يجب علينا – نحن أبناء الأجيال الأسدية – أن نكون صادقين مع أنفسنا أوّلاً، ومع أبنائنا ومع وطننا ومع تاريخنا، ثانياً وثالثاً ورابعاً، صادقين في الاعتراف أنّنا منظومة منتهية الصلاحية، وأنّ مستقبل هذا البلد لأبنائنا الذين يجب تربيتهم تربية مختلفة، وتمكينهم من إحداث قطيعة بنيويّة ورؤيويّة معنا.

لقد سقط الأسد أمّا بنيته المنتهية الصلاحية ما برحت حيّة ولمّا تسقط بعد؛ بانتظار غد جديد بعد ليل سيطول ليحمل لنا فجرَ ذاك الغد، أجيالٍ جديرٌ بها أن تنجز قطيعتها الأدبية والأخلاقية والسياسية مع سابقاتها الفاسدة المفسدة، أجيالٍ جديرٌ بها دولتها الحرّة التي تطاولهم قامة وتماثلهم تجذّراً وثباتاً. هناك في الغد عند حافّة الفجر حيث يوم سوريّ مشرق، يوم يعبّد التاريخ لأجيال لا تمتهن التصفيق شطارة، ولا الفساد تجارة، ولا التشبيح دعارة، ولا النفاق حضارة، ولا المصلحة عقيدة وعبادة. وإنما هو تاريخ يزدهي بأجيال لا تساوم على الكرامة في كلامها وأفعالها وسلوكها وبناء بلدها المنتظر.

فالأجيال تغدو وتروح، وأمّا الوطن فباقٍ يحيا، أو ينتظر شفاءه وحياته البنّاءة والسليمة والقويمة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني