اتحاد الكتاب العرب في دير الزور: من تهميش الكتّاب الأحرار إلى قيادة النهضة الثقافية..

0

دير الزور – تقرير خاص

في مدينة أنهكتها الحرب وأثقلتها سنوات التهميش، يطلّ اتحاد الكتاب العرب في دير الزور اليوم كقصة نجاح استثنائية، أعادت تعريف دور المؤسسة الثقافية والنقابية، وحوّلتها إلى منصة مجتمعية حيّة. خلال أشهر قليلة فقط، انتقل الاتحاد من كيان شبه غائب إلى مركز إشعاع ثقافي يقود نهضة جديدة، ويقدّم نموذجاً عملياً على أن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية.

من الغياب إلى الحضور:

لم يكن هذا التحول وليد المصادفة. فالاتحاد تبنّى رؤية استراتيجية واضحة، جعلت من كل تحدٍّ فرصة، ومن كل ضعف نقطة انطلاق. غياب المقر الدائم مثلاً، تحوّل إلى ميزةٍ عبر استراتيجية “المؤسسة المتنقلة”، حيث استُخدمت قاعات المركز الثقافي والمراكز المجتمعية لتوسيع دائرة النشاط الثقافي، وجعل الفعاليات أقرب إلى الناس.

ثقافة الإبداع بدل الاتكالية:

النجاح جاء نتيجة انتقال واعٍ من ثقافة الاعتمادية إلى ثقافة الإبداع:

•       مرونة تنظيمية: الفعاليات انتقلت بين المراكز، لتكسر الحواجز وتصل إلى جمهور أوسع.

•       تمويل مبتكر: الاعتماد على شراكات محلية ومبادرات فردية وورش تطوعية بدلاً من انتظار الدعم المركزي.

•       رقمنة النشاط: استخدام تطبيقات بسيطة مثل واتساب وزووم وصفحة الاتحاد على فيسبوك لنشر الإبداعات وربط المغتربين.

•       استثمار في البشر: بناء شبكة من المتطوعين والكتّاب الشباب، والكتاب الذين كانوا مستبعدين في ظل النظام البائد، مع التركيز على التدريب والتأهيل.

مشاريع نوعية: من التمكين إلى التوثيق:

الاتحاد لم يكتفِ بالشعارات، بل أطلق مشاريع ملموسة تركت أثراً عميقاً:

•       تمكين الشباب: من خلال ورشات الكتابة الإبداعية وورشة “فن السرد القصصي” عبر واتساب، أمسيات للمواهب، ومسابقات أدبية.

•       تمكين المرأة: مشروع “أقلام ناعمة”، أول حاضنة أدبية نسائية في المحافظة تساهم في تحويل الكاتبات من هاويات إلى محترفات.

•       الحفاظ على الهوية واستعادة المشهد الثقافي الديري المتألق.

شراكات استراتيجية:

الاتحاد أدرك أن الثقافة لا تزدهر في عزلة. فبنى شبكة شراكات مع مجموعة من أساتذة جامعة الفرات المهتمين بالشأن الثقافي، ومديرية الثقافة، والمغتربين الديريين. هذه الشراكات وفّرت دعماً معنوياً، وفتحت جسوراً للتواصل بين الداخل والخارج.

أرقام تحكي القصة:

•       مجموعة فعاليات بين ندوات وأمسيات.

•       ورشات تدريبية متخصصة.

•       مبادرات مجتمعية ثقافية مستدامة.

ومن الإنجازات النوعية: بناء فريق من الأدباء الشباب من مختلف الأعمار والتخصصات الأدبية والثقافية.

أثر مجتمعي ملموس:

•       على الأفراد: صقل مواهب، تعزيز الثقة، وبناء شخصيات قيادية.

•       على المجتمع: إحياء الهوية الثقافية، تعزيز الانتماء، وبناء جسور بين الأجيال.

•       على المؤسسة: تحويل الاتحاد إلى نموذج عمل قابل للاستمرار، ومرجعية ثقافية محلية.

شهادات من الداخل:

يقول الشاعر عبد الناصر حداد، رئيس الفرع: “لم نأتِ لنكون ضيوفاً عابرين على مؤسسة من المؤسسات، بل لنضيف روحاً إلى الأرواح.. لم نعمل من أجل مناصب في الاتحاد، بل من أجل دير الزور وحدها.. من أجل هويتها وتراثها ومستقبلها.”

وتضيف الدكتورة سميرة بدران أمين سر الاتحاد: “ثقافتنا ليست تراثاً فقط، بل هوية نعيشها، ومستقبلاً نبنيه.”

في أشهر قليلة كتب اتحاد الكتاب العرب في دير الزور قصة صمود، وأثبت أن الثقافة قادرة على أن تكون منقذاً، وأن الإرادة تصنع المعجزات. من التهميش إلى الريادة، ومن الغياب إلى الحضور، قدّم الاتحاد نموذجاً يُحتذى به في الإدارة المجتمعية المتكاملة، حيث تلتقي الرؤية الاستراتيجية بالمرونة التنفيذية، ويلتقي الالتزام بالهوية مع الانفتاح على التجديد.

دير الزور اليوم لا تستعيد ثقافتها فحسب، بل تبني مستقبلها عبر الكلمة والإبداع.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني