ابتسامة النصر على وجه دمشق المتعبة

0

لم تعد دمشق مدينة الياسمين… ولم يعد هذا الياسمين المتوارث كلوازم الألقاب، مفتاح قصائد الشعراء للتغني بجمالها، وكرنفال روائح الليمون والنارنج والكباد الذي كان يفوح من فناء البيوت وباحات المساجد، ليعطر أنفاس المدينة ودروبها، صار ذكرى من الماضي، أما أسبلة الماء ذات الهندسة البديعة والتي كان تفيض صنابيرها وبحراتها بالماء الجاري فقد جفت وانفض عنها السقاة والعطاش… وبقيت عمارتها يعشعش فيها الحزن والغبار.

لا ساحة المرجة بقيت مركز المدينة الأنيق المتناسق البناء، المتخم بالفنادق والمحال ودور السينما وبائعي الحلويات الشرقية والذي تنطلق منه الحافلات نحو كافة أرجائها، ولا شارع النصر احتفظ بمهابة قصر العدل فيه ورحابة أرصفته الانتصافية، ولم يعد يسمع في ساحة الحجاز صوت صافرات القطارات وهي تتهادي فوق السكة الحديد في محطة الحجاز التاريخية، ولا صوت قرقرة الماء في نراجيل قهوة الحجاز التي عاشت عقوداً محاطة بباعة الصحف والمجلات، ومحلات أشرطة الكاسيت قبل أن يتم اقتلاعها مع ما حولها من المكان كله… أما حي الحلبوني المجاور حيث المكتبات ودور النشر ومحلات القرطاسية الأنيقة، وحكر النعنغ الذي احتضن كراجات بيروت يوماً… فقد شاخت واجهات مكتباته وخوت على عروشها وتحولت إلى مهازل لها في القلوب منازل!

سفوح قاسيون التي ترمق كل تلك التغييرات بصمت وذهول، بقيت مسافة للنظر على المدينة من عل، والاطمئنان على أحوالها… لا يقصدها إلا من يعرف دروبها… ومن كان يحن لحي المهاجرين وجاداته ودروبه لأنه قضى أجمل طفولة يمكن أن يعيشها المرء فيه مثلي، فلا بد إذا قصد هذا الحي الكبير والممتد الذي يتوسد قاسيونها، سيحزن لغياب البيوت القديمة التي جمعت الطراز التركي والعربي في مطالع القرن العشرين، وقد تحولت إلى عمارات سكنية طابقية… كما سيفزع لاكتظاظ حي المهاجرين ومنحدراته بالسيارات في كل فسحة أو ركن أو زاوية… وبالطبع مغامرة كبرى أن تخلي مكان سيارتك لأنك قد لا تحصل على بديل إلا من الله عليك بمصادفة مغادرة سيارة أخرى من مكانها!

باختصار دمشق اليوم مدينة متعبة، مغلقة عمرانيا، لا يمكن أن يضاف إليها إي حي سكني جديد… ومن الصعب جدا أن تفتح أو توسع فيها شارعاً… وأزمة كراجات ومواقف السيارات فيها، أكبر من أزمة ازدحام المرور… البنية التحتية متهالكة، والبيوت الدمشقية الباذخة الحضور في المدينة عرضة لتشوهات وتعديات يومية، في ظل غياب ورشات ترميم فنية تتحمل مسؤولية الحفاظ على إرث الماضي… الأبنية الطابقية في الأحياء التي نشأت خارج المدينة القديمة وتوسعت قبل ستين أو سبعين عاماً كأحياء الشعلان والبرامكة وعين الكرش تبدو واجهاتها متسخة وكأنها لم تمتد إليها يد التنظيف منذ عقود، أما المستوطنات المحيطة بالمدينة كمزة 86 وعش الورور ومساكن الحرس وغيرها فحدث ولا حرج عن البشاعة والعشوائية وهمجية الاسمنت العاري والاعتداء على النسيج العمراني للمدينة.

وحدها أحياء المالكي وأبي رمانة وأجزاء من المزة فيلات والعدوي ومشروع دمر، احتفظت ببعض الأناقة الأرستقراطية، وإن بدت اليوم وكأن الزمن أفقدها شئيا من الرونق الباذخ القديم، لكنه لم يفقدها القيمة والمكانة والأسعار الفلكية.

أما على صعيد الخدمات فحدث ولا حرج عما تعانيه دمشق من مشكلات وأزمات… وما تفتقر إليه من وسائل الراحة والرفاهية… وخصوصاً بالنسبة لأهلها العائدين إليها باحثين عن ذكرياتهم وصدى صورها في وجدانهم… لكن رغم هذا كله، فابتسامة النصر والحرية التي ارتسمت على وجهها فجر الثامن من كانون الأول عام 2024 كانت كفيلة بأن تخفي عنا كل أوجاعها وأحزانها… وأن تكذب وتتجمل في عرس الحرية الذي مازالت تعيش فصوله، فلا يوجد أقبح في سجل دمشق الزمني الطويل، من عقود حكم البعث والأسدين العجاف، حيث جرى التأسيس لكل تدمير وتشوه وعبث طال فرادة دمشق، سواء بأيدي الهمجيين الذين احتلوا أرقى أحيائها أو بتحالف بعض الخونة من أبنائها مع طبقة العسكرتاريا الفاسدة المحدثة النعمة.

حين تبتسم دمشق ابتسامة النصر والخلاص… يرتسم الأمل في عمق التاريخ كله، فتغدو كل المشكلات التي تعانيها تفاصيل، والكوارث التي تحتاج لعقود كي تحل أمنيات في متناول اليد… ويغدو العمر أجمل، وأوهام دمشق الياسمين أكثر نفاذاً وشذى… ومبالغات الشعراء أكثر واقعية من كل الوقائع التي تصادفنا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني