إيران بعد الحرب: لماذا بات دعم التغيير ضرورة إقليمية؟

0

من المهادنة إلى دعم الشعب الإيراني.. كيف تغيّر المشهد الإقليمي بعد اهتزاز نظام ولاية الفقيه؟

لم تعد الأزمة الإيرانية ملفاً مؤجلاً أو شأناً داخلياً يخص الإيرانيين وحدهم. فالحرب الدائرة اليوم، مهما تعددت أهدافها المعلنة والخفية، كشفت حقيقة باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: أن نظام ولاية الفقيه لم يعد مجرد مصدر تهديد للشعب الإيراني، بل أصبح خطراً مباشراً على أمن المنطقة واستقرارها.

على مدى سنوات، راهنت بعض الدول على إمكان احتواء النظام الإيراني عبر التهدئة، أو فتح قنوات التواصل، أو تخفيف التوتر معه. لكن النتائج جاءت معاكسة تماماً. فالنظام لم يفهم المهادنة إلا بوصفها ضعفاً، ولم يقرأ الانفتاح إلا باعتباره فرصة إضافية لتوسيع نفوذه وتعزيز أدواته العسكرية والأمنية. ومن هنا، فإن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي باتت تطال دول الجوار ليست تطوراً مفاجئاً، بل حصيلة طبيعية لسياسة سمحت لهذا النظام بأن يراكم القوة ويبتز محيطه الإقليمي.

ومع ذلك، فإن قراءة المشهد الراهن من زاوية الحرب وحدها تبقى ناقصة. فهذه اللحظة، على ما تنطوي عليه من أخطار، قد تفتح في الوقت نفسه نافذة تاريخية أمام تغيير حقيقي في إيران. ذلك أن نظام ولاية الفقيه يخرج من هذه المرحلة أكثر إنهاكاً وعزلة وهشاشة، بينما يزداد المجتمع الإيراني غضباً واحتقاناً واستعداداً للانفجار. وبين ضعف النظام وتصاعد المزاج الشعبي، يبرز السؤال الأساسي: من يملأ الفراغ، ومن يملك القدرة على قيادة التغيير؟

هنا تبرز أهمية الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. فالتجارب المتراكمة أثبتت أن التغيير في إيران لا يأتي من الخارج وحده، ولا تصنعه الصفقات الدولية، ولا يتحقق عبر الرهان على الانهيار التلقائي. التغيير يحتاج إلى قوة منظمة، تمتلك امتداداً داخل المجتمع، ورؤية سياسية واضحة، وقدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع بديل. ومن هذا المنطلق، تبدو المقاومة الإيرانية، بقيادة منظمة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أحد أكثر الأطر السياسية تنظيماً وحضوراً في معادلة المستقبل الإيراني.

غير أن هذا البديل، لكي يتحول إلى عنصر حاسم في معركة تقرير المصير، يحتاج إلى أكثر من التعاطف السياسي. إنه يحتاج إلى مقاربة إقليمية جديدة، تتجاوز حسابات الحذر القديمة، وتعترف بأن دعم المعارضة الإيرانية لم يعد مجرد موقف أخلاقي متضامن مع شعب مضطهد، بل بات مصلحة سياسية وأمنية لدول المنطقة نفسها. فالدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية وقطر والإمارات وسائر دول الخليج، معنية اليوم أكثر من أي وقت مضى بمساندة خيار الشعب الإيراني، لأن سقوط هذا النظام لم يعد فقط مطلباً إيرانياً داخلياً، بل ضرورة إقليمية لوقف دوامة التهديد والابتزاز والحروب بالوكالة.

وفي هذا السياق، يبدو الاعتراف السياسي الواضح بالمقاومة الإيرانية وبالحكومة المؤقتة الانتقالية خطوة بالغة الأهمية، بوصفهما إطاراً سياسياً منظماً يعبر عن تطلعات شريحة واسعة من الإيرانيين. كما أن العمل داخل الأطر الدولية والعربية والإسلامية من أجل توسيع هذا الاعتراف، وفتح المجال أمام دعم سياسي وإعلامي ولوجستي منظم، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في ميزان القوى.

في المقابل، لا ينبغي التوهم بأن الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الكبرى تتحرك بدافع الديمقراطية أو حقوق الإنسان. فهذه القوى تحكمها مصالحها وحساباتها قبل أي اعتبار آخر. ولذلك، فإن الضمانة الحقيقية لمستقبل إيران لا تكمن في الخارج، بل في قدرة الإيرانيين أنفسهم على توحيد صفوفهم، وفرض بديل وطني مدني، يحترم حقوق الشعب ويؤسس لدولة طبيعية لا تحكمها العمامة ولا السلاح.

لقد دفع الشعب الإيراني ثمناً باهظاً من القمع والاعتقال والتجويع والتشريد والقتل. وهو لا يستحق فقط نهاية هذا النظام، بل يستحق أيضاً دولة وطنية مدنية تحمي كرامته وتخدم مصالحه. واليوم، بعد كل ما جرى، لم يعد هناك متسع للمراوغة أو العودة إلى سياسة المهادنة. لقد حان وقت موقف واضح، وخطة واضحة، ودعم واضح، لأن ملامح مرحلة جديدة بدأت تتشكل بالفعل في الأفق.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني