إشكالية الاستقرار السوري في ظل الشروط الأمنية الإسرائيلية

0 16
تحولات سوريا العميقة وانعكاساتها على التوازنات والمعادلات الإقليمية الجديدة: دراسة في السيناريوهات المستقبلية

التمهيد: المشهد السوري بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 وصعود أحمد الشرع

منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 دخلت سوريا مرحلة جديدة تماماً من تاريخها السياسي والاجتماعي، عقب سقوط النظام السابق وبروز قيادة انتقالية بزعامة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة رسمياً في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه. هذه المرحلة لا تشبه أيّاً من المراحل السابقة منذ عام 2011، فقد جاء نموذج الانتقال هذه المرة فريداً ومختلفاً عن التجارب المحيطة؛ إذ لم يكن نتيجة تفاوض دولي مباشر أو انقلاب عسكري، بل نتيجة تحوّل داخلي مدعوم بقبول شعبي وإسناد أممي محسوب. وقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة في مطلع عام 2025 أن “سوريا تقف أمام فرصة انتقال سياسي مشروطة، ما تزال مرتبطة بإجراء إصلاحات عميقة وبناء مؤسسات شرعية لتحقيق الاستقرار”. ومع هذا التحوّل، برزت أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الدولة بعيداً عن الاستبداد والتبعية، وباتت البلاد أمام سؤال مركزي: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية والانقسام والحروب؟

تسعى إسرائيل إلى توظيف النفوذ الإعلامي والاستخباراتي في تشكيل صورة سوريا الجديدة على الساحة الغربية. فبعض وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية المقربة منها ما زالت تصف الحكومة السورية الجديدة بأنها “غير مستقرة”، وأنها “وريثة بيئة أمنية هشة”، وهو خطاب يستهدف إقناع صناع القرار في الغرب بأن أي انفتاح اقتصادي سريع على دمشق “مجازفة”. وبهذا الشكل، تُسهم إسرائيل في إبطاء عمليات التعافي الاقتصادي السوري عبر تغذية الشكوك حول استقرار البلاد وجدارتها بالاستثمار.

أما الأداة الثالثة، فهي الضغوط الاقتصادية غير المباشرة. فإسرائيل لا تمتلك علاقات تجارية مع سوريا، لكنها تمارس تأثيراً غير مباشر عبر شبكاتها في ممرات النقل والطاقة الإقليمية. فمشروع “الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي”، الذي يربط الهند بأوروبا عبر الخليج والأردن وإسرائيل، يهدف أساساً إلى تعزيز التكامل الإقليمي لإسرائيل ضمن منظومة التجارة العالمية، وهو ما قد يقلل من الأهمية التقليدية لسوريا كممر بري بين آسيا والبحر المتوسط. ووفق عدد من التحليلات، تسعى اسرائيل إلى ترسيخ هذا الدور الجيو–اقتصادي بما يُبقي الاقتصاد السوري في حالة عزلة نسبية إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تتيح إعادة الانفتاح الاقتصادي وفق ترتيبات جديدة.

كذلك، تستخدم إسرائيل الأداة الاستخباراتية المرنة في الجنوب السوري، حيث تحتفظ بعلاقات مع مجموعات محلية وشبكات مراقبة على امتداد خط الفصل في الجولان. هذه الشبكات، التي تعمل بغطاء إنساني أو تجاري، تزود إسرائيل بمعلومات دقيقة عن التحركات العسكرية السورية، ما يمنحها تفوقاً ميدانياً يتيح لها ضرب أي بنية تحتية عسكرية في طور التشكّل قبل أن تصبح خطراً فعلياً.

ومع إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات الأوروبية، لم تعد أدوات الضغط هذه تُستخدم لمنع الاستقرار السوري بحدّ ذاته، بل لإدارة سقفه وشروطه السياسية والأمنية، بما يضمن ألا يتحول هذا الاستقرار إلى نفوذ إقليمي مستقل يتجاوز الحسابات الإسرائيلية.

تشكّل هذه الأدوات، في مجموعها، شبكة تقييد استراتيجية تُبقي سوريا في حالة توازن هش، بين الاستقرار والاضطراب، بين الهدوء والتوتر. وهي سياسة إسرائيلية كلاسيكية تُعرف في الدوائر الأمنية باسم “الاستقرار المراقَب” (Controlled Stability) — أي استقرار كافٍ لمنع الفوضى، لكنه غير كافٍ لعودة الدولة السورية كقوة إقليمية فاعلة. ومع أن هذه الاستراتيجية قد تبدو ناجحة من منظور إسرائيل، إلا أنها تحمل مخاطر عكسية على المدى الطويل، إذ إن استمرار الضغط سيُنتج في النهاية رأياً عاماً سورياً أكثر رفضاً لأي تسوية مستقبلية، ويزيد من صعوبة بناء الثقة اللازمة لأي سلام حقيقي.

دور الرأي العام السوري كعقبة تاريخية أمام أي تقارب سوري – إسرائيلي

من بين جميع العوامل التي تحدّد مستقبل العلاقة السورية–الإسرائيلية، يبقى الرأي العام السوري العنصر الأكثر ثباتاً وممانعة للتغيير. فعلى امتداد سبعة عقود من الصراع، لم تكن المواقف الشعبية السورية نتاجاً لدعاية رسمية فقط، بل تَشكّلت بفعل تجارب واقعية وتاريخية تركت جروحاً عميقة في الوعي الجمعي. ومن ثم، فإن أي محاولة لتطبيع العلاقات أو عقد اتفاق سلام ستصطدم أولاً بحاجز نفسي – وطني يصعب تجاوزه، بغض النظر عن التوازنات الإقليمية أو الإرادات الدولية.

يستمد هذا الرفض الشعبي جذوره من ثلاثة مستويات مترابطة: التاريخ، والهوية، والتجربة المعاصرة.

على المستوى التاريخي، بدأ تشكّل الوعي السوري تجاه إسرائيل منذ عام 1948، حين شاركت سوريا في الحرب العربية الأولى ضد قيام الدولة الصهيونية، وما رافقها من موجات نزوح فلسطيني عبر الأراضي السورية. هذا الحدث أسّس لوعيٍ جمعي يرى في المشروع الصهيوني خطراً وجودياً يتجاوز حدود فلسطين ليطال الأمن القومي السوري ذاته.

ثم جاءت حرب حزيران 1967 واحتلال الجولان لترسّخ تلك القناعة على نحو أعمق، إذ مثّل فقدان الجولان وما تبعه من تهجيرٍ واسعٍ للسكان السوريين، انتقال الصراع من التضامن العربي إلى مسّ مباشر بالسيادة الوطنية. ومع صدور “قانون ضم الجولان” عام 1981، ترسّخ في الوجدان السوري شعورٌ راسخ بأن إسرائيل ليست جاراً طبيعياً، بل مشروعاً توسعياً يستهدف الأرض والذاكرة في آنٍ واحد.

هذه القناعة لم تتبدّل حتى في فترات الهدوء النسبي، لأن الجولان بقي حاضراً في الوعي الوطني السوري رمزاً للكرامة المسلوبة، لا مجرد أرض محتلة. وبهذا، تحوّل من قضية جغرافية إلى رمزٍ لهوية وطنية مقاومة، يصعب الفصل فيها بين سوريا وفلسطين، لأن أي تفريطٍ بالجولان يعني المساس بمعنى الانتماء والذاكرة الوطنية معاً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني