أدراج روسيا الطويلة واحترافية تقصيرها

0

في منتصف أكتوبر 2025، شهد العالم لقاءً بدا في ظاهره بروتوكولياً بين رئيسٍ سوري جديد ورئيس الكرملين، الرئيس أحمد الشرع صعد درجاً نحو غرفة حوار روسية ذات أبعاد استراتيجية واضحة. الزيارة التي جرت في 15 أكتوبر ليست مجرد تبادل مجاملات رسمية، بل فصلٌ جديد في إعادة ترتيب أبواب النفوذ في سورية والمنطقة، وفيها دلالاتٌ رمزية وسياسية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها.

أهمية الزيارة

أولاً: إعادة تدوير التحالفات وتثبيت واقع جيوسياسي جديد. موسكو، بعد سنوات من الدعم لنظامٍ سابق أجرم بحق الشعب السوري، تواجه واقعاً مختلفاً مع وصول قيادة انتقالية تمثل نغمةً ثورية مغايرة. الزيارة تؤكّد حرص روسيا على الحفاظ على مصالحها “خصوصاً القواعد البحرية والجوية” عبر تفاهم رسمي مع السلطة الجديدة بدل ترك الساحة فراغاً لمنافسين إقليميين ودوليين. هذا الترتيب يمثّل صمام أمان لمصالح استراتيجية في البحر المتوسط وشمال أفريقيا.

ثانياً: شرعنة دولية داخلية للرئيس الشرع. الزيارة أعطت صورةً للخارج مفادها أن دمشق الجديدة قادرةٌ على إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى دون عناء الانزلاق إلى عزلة مطلقة أو تبعية مفرطة، وهو عنصر مهم لمدى قبول محلي وإقليمي وشروط إعادة الاعمار والعودة المنظمة للاجئين.

سلبيات الزيارة

أول السلبيات نمطٌ بروتوكولي ووظيفي: تفخيمِ مشهد الصعود على الدرج وترميز التفاوت في موازين القوة. تلك التفاصيل الرمزية تُقرأ داخل المشهد الإعلامي والسياسي على أنها تذكيرٌ بدور موسكو المتفوق في صناعة الوقائع، وقد يفسِّر ذلك لدى جمهورٍ وطنيٍ أو إقليمي كإشارة إلى استمرار هيمنة روسية غير مكتوبة.

ثانياً، من الناحية العملية، غياب التزامات اقتصادية فورية وواضحة يُمثل مخاطرة، فالتصريحات الروسية تميل إلى تأكيد التعاون العسكري والأمني أكثر من تقديم ضخّات تمويلية محددة لإعادة الإعمار أو إلغاء عقوبات “أمور أساسية لإنعاش المشهد الداخلي السوري”. غياب تعهدات عملية قد يحرج السلطة الجديدة أمام مواطنيها الذين ينتظرون تحسناً سريعاً في الاقتصاد والخدمات.

ثالثاً، هناك مخاطرة سياسية: الاعتماد الجزئي على موسكو قد يقوّض قدرة دمشق على المناورة الإقليمية إذا لم تصغ الشروط بحذر، فالحفاظ على قاعدة روسية مقابل امتيازات اقتصادية أو سياسية قد يتحوّل إلى رزمة التزامات طويلة الأمد تقيد خيارات دمشق.

مكاسب الزيارة على كل الأصعدة

على الصعيد السياسي والدبلوماسي

الشرع نجح في تحويل اللقاء إلى منصة لإعادة تعريف العلاقة: لم يعد الحوار مجرد استئناف تواصل، بل محاولة لإعادة صياغة شروط التفاهم، بحيث تكون دمشق شريكاً ذا حقوق ومطالب (قضايا إعادة اللاجئين، محاربة الإرهاب، إعادة فتح القنوات الدبلوماسية). هذه الصورة تُسهم في كسر عزلة دولية جزئية وتمنح الحكومة الانتقالية هامش حركة دبلوماسية أوسع.

على الصعيد الأمني والعسكري

الاتفاقات المؤقتة حول وجود القوات الروسية وإعادة تنظيمها قد تقلّص من السطوة العسكرية المباشرة على المؤسسات المحلية إذا تمّت صياغتها ضمن إشراف مشترك وإطار سيادي سوري. أي تقليص عملي في نمط الوجود الروسي يمكن أن يُحوَّل إلى نقطة قوة لصالح سيادة القرار الداخلي.

على الصعيد الاقتصادي

رغم التحفّظ الروسي الظاهر، فتح القنوات مع موسكو يهيئ لفرص في: الطاقة، النقل، المرافئ، وإعادة الإعمار. دخول استثمارات روسية مهيكلة (إن رُتّبت بشفافية وضمن عقود تضمن مصالح سورية) قد يطلق عجلة عملٍ اقتصادي مركزيّ يحتاجه البلد. لكنه ربحٌ مشروط بشفافية الضمانات وتنوّع مصادر التمويل.

على الصعيد الرمزي والاجتماعي

اللقاء أعطى نوعاً من الشرعية الرمزية المحلية والدولية التي تساعد السلطة الانتقالية على الترويج لرؤية استقرار وطني تُرجِم سياسياً بدعوات لإعادة اللاجئين وتخفيف الانقسامات. هذه المكاسب الرمزية مهمة في بناء ثقة داخلية وخارجية على حد سواء.

خلاصة، بين الدرج والقاعدة

الزيارة الروسية ليست فوزاً مطلقاً لطرف على آخر، بل مفاوضة مُعلنة على طبيعة العلاقة: هل ستكون سوريا تابعة لقاعدة مصالح روسية لا تنسجم مع تطلعات الداخل، أم شريكاً يجني من العلاقة فوائد استراتيجية واقتصادية دون التفريط بالسيادة؟ رمز الدرج الطويل الذي صعده الشرع قابل لأن يُقرأ كسخرية دبلوماسية، لكنه أيضاً قابِل لأن يصبح بداية مفاوضةٍ تجري فيها موسكو نزولاً تدريجياً من أعلى منعرج سيطرتها إذا رُسمت الخطوط الحمراء بوضوح وسيّدت سورية تنويع شركائها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني