أبعاد الحرب الإسرائيلية على إيران.. هل تتوسع؟ وهل تتوقّف؟ وما مصير السلاح النووي؟
في ظل الأحداث المتسارعة التي تمر بها منطقتنا، ومع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، تزداد احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين. لم يعد هذا السيناريو مجرد تكهن، بل بات مطروحاً في النقاشات السياسية والإعلامية على نطاق واسع. وفي حال اندلاع الحرب، فإن الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة هي: هل ستتوسع لتشمل أطرافاً أخرى في المنطقة؟ وهل من الممكن أن تتوقف إذا خضعت إيران لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل؟ والأهم من ذلك، هل هناك احتمال حقيقي لاستخدام الأسلحة النووية؟ هذه الأسئلة لا يمكن التعامل معها بخفة، لأنها ترتبط بمصير شعوب بأكملها، وقد تترك آثاراً تاريخية لا تُمحى.
أولاً: هل ستتوسع الحرب لتشمل المنطقة؟ ولماذا؟
أرى أن من الصعب جداً أن تظل أي حرب بين إسرائيل وإيران محصورة في إطار ثنائي. فطبيعة هذا الصراع، والامتدادات الإقليمية للطرفين، تجعل من المواجهة المحتملة حرباً متعددة الجبهات منذ اللحظة الأولى. إيران تعتمد بشكل كبير على شبكة من الحلفاء في عدد من الدول، مثل “حزب الله” في لبنان، و”الحشد الشعبي” في العراق، و”أنصار الله” في اليمن، فضلاً عن وجودها العسكري في سوريا.
لذلك، إذا ما تعرضت إيران لهجوم إسرائيلي واسع، فمن شبه المؤكد أنها سترد ليس فقط من داخل أراضيها، بل عبر هذه الأذرع الإقليمية. وهو ما يعني تلقائياً انخراط دول أخرى في الصراع، سواء بحكم الجغرافيا أو التحالفات.
في المقابل، إسرائيل لن تقف بمفردها في مواجهة هذا التمدد. فالولايات المتحدة، التي ترى في إيران تهديداً إستراتيجياً، لن تتوانى عن دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، ما قد يدفع أطرافاً دولية أخرى، مثل روسيا أو الصين، إلى التدخل – ولو بشكل غير مباشر – لحماية مصالحها في المنطقة.
ومن جهة أخرى، أي تصعيد عسكري واسع قد يؤدي إلى استهداف مضيق هرمز، أو منشآت الطاقة الخليجية، ما يعني تهديداً للاقتصاد العالمي بأسره. وهذا وحده كفيل بتدويل الأزمة.
لذلك، يبدو من الواقعي جداً القول إن اندلاع حرب بين إسرائيل وإيران سيكون بداية لتوسع إقليمي خطير، لا تُحمد عقباه.
ثانياً: هل من المحتمل أن تتوقف الحرب إذا خضعت إيران للمطالب الأمريكية والإسرائيلية؟
هذا سؤال معقّد، لأنه يرتبط بطبيعة النظام السياسي في إيران، وبالخطاب الأيديولوجي الذي تبنّاه منذ الثورة الإسلامية عام 1979. إيران ترى نفسها، من حيث المبدأ، في مواجهة دائمة مع “الهيمنة الأمريكية” و”الاحتلال الإسرائيلي”، وبالتالي فإن التنازل العلني عن ثوابت هذا الخطاب يُعدّ، في نظر قيادتها، نوعاً من الهزيمة المعنوية والسياسية.
لكن، وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل براغماتية هذا النظام. فقد سبق أن خاض مفاوضات طويلة، ووقّع على اتفاق نووي في عام 2015 مع القوى الكبرى، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية. وهذا يدل على أن إيران لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، لكنها تختار التوقيت الذي تراه مناسباً، وتحاول دائماً أن تخرج من أي تسوية دون أن يبدو أنها رضخت أو تراجعت.
وعليه، فإن توقف الحرب مرهون بميزان الخسائر والمكاسب. فإذا أدركت إيران أن الاستمرار في الحرب قد يؤدي إلى خسارة غير قابلة للتعويض، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، فقد تقبل بالدخول في مفاوضات – وربما تقديم بعض التنازلات – بشرط أن تكون هذه التنازلات محاطة بإطار يحفظ ماء وجهها.
لذلك، لا أستبعد حدوث تسوية جزئية تُنهي الحرب، لكني لا أعتقد أنها ستكون تسوية كاملة أو دائمة.
ثالثاً: هل هناك احتمال لاستخدام السلاح النووي؟ وما الذي قد يترتب على ذلك؟
هذا السؤال هو الأخطر على الإطلاق، لأنه يتعلّق بمصير الملايين، وربما بالعالم بأسره. ومن وجهة نظري، فإن احتمالية استخدام السلاح النووي، وإن كانت واردة نظرياً، إلا أنها تبقى محدودة عملياً في الوقت الراهن.
من المعروف أن إسرائيل تمتلك سلاحاً نووياً، رغم أنها لم تعلن ذلك رسمياً، وتُفضّل ما يُعرف بسياسة “الغموض النووي”. لكنها تدرك جيداً أن استخدام هذا السلاح سيجعلها هدفاً لانتقادات دولية غير مسبوقة، وربما لعقوبات، وقد يدفع أعداءها إلى ردود فعل لا يمكن السيطرة عليها.
أما إيران، فحتى اللحظة لم تثبت التقارير الدولية امتلاكها لسلاح نووي، لكنها تقترب من امتلاك القدرة على تصنيعه. ورغم خطاباتها التصعيدية أحياناً، إلا أن استخدامها لهذا السلاح – في حال امتلكته – سيُعد بمثابة انتحار سياسي وعسكري، لأنه سيعطي لإسرائيل والولايات المتحدة مبرراً لتوجيه ضربة ساحقة ومدمرة.
لكن ماذا لو حدث الأسوأ؟ استخدام السلاح النووي سيعني:
– آلاف القتلى والجرحى في لحظات معدودة.
– كارثة بيئية يصعب حصر آثارها.
– انهيار اقتصادي عالمي نتيجة اضطراب أسواق الطاقة.
– احتمالية نشوب صراعات نووية في مناطق أخرى من العالم.
ولهذا، فإن خيار “الضربة النووية” يظل أقرب إلى التهديد منه إلى التنفيذ، إلا إذا وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة.
خاتمة: المنطقة على مفترق طرق
ما يحدث اليوم بين إيران وإسرائيل ليس صراعاً بسيطاً يمكن احتواؤه بقرار سياسي واحد، بل هو نتيجة سنوات طويلة من التوتر، والتدخلات، والتحالفات المتشابكة. ورغم أن احتمالات التصعيد واردة، فإن صوت العقل لا يزال ممكناً، ولو بصعوبة.
الحرب – إن اندلعت – ستكون مكلفة للجميع. أما التسوية، فستتطلب تنازلات مؤلمة، ووساطة دولية فعالة، وضمانات حقيقية لكل الأطراف. وبين هذا وذاك، تظل شعوب المنطقة هي من تدفع الثمن، سواء كان الثمن أمناً مفقوداً، أو اقتصاداً منهكاً، أو مستقبلاً مهدداً.
ويبقى الأمل أن تتغلب الحكمة على السلاح، وأن تختار الدول المعنية طريق الحل قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة..